مدارج السالكين

وحياة العقل هي صحَّة الإدراك، وقوَّة الفهم وجودته، وتحقيق الانتفاع١ بالشّيء والتضرُّر به. وهو نورٌ يخصُّ الله به من يشاء من خلقه، وبحسب تفاوت الناس في قوَّة ذلك النُّور وضعفه ووُجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم. ونسبته إلى القلب كنسبة النُّور الباصر إلى العين.

ومن تجريبات السالكين التي جرَّبوها فألْفَوها صحيحةً أنَّ مَن أدمن مِن قول: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت» أورثه ذلك حياة القلب والعقل.

وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة شديدَ اللهج بها جدًّا، وقال لي يومًا: لهذين الاسمين ــ وهما الحيُّ القيُّوم ــ تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلى أنَّهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرَّةً كلَّ يومٍ بين سُنَّة الفجر وصلاةِ الفجر: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث» = حصلت له حياة القلب، ولم يَمُت قلبُه٢.

ومَن علم عبوديَّات الأسماء الحسنى والدُّعاء بها، وسرَّ ارتباطها بالخلق والأمر، وبمطالب العبد وحاجاته= عرف ذلك وتحقَّقه٣، فإنَّ كلَّ مطلوبٍ

  1. (١) ع: «وتحقُّق الانتفاع».
  2. (٢) ومما ورد عن شيخ الإسلام فيه: أنه كتب في رسالته إلى الملك المنصور حسام الدين لاجين: «... فإذا ناجى ربَّه في السحر واستغاث به وقال: (يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث) أعطاه الله من المُكنة ما لا يعلمه إلا الله». «جامع المسائل» (٧/ ٤٤٤).
  3. (٣) انظر: «زاد المعاد» (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣) فقد شرح فيه مناسبة هذين الاسمين لحياة القلب.
78

يُسأل بالاسم المناسب له، فتأمَّل أدعية القرآن والحديث النبويِّ تجدها كذلك.

وأمّا (معرفة الأيَّام) فيحتمل أن يريد به أيَّامه التي تخصُّه، وما يلحقه فيها من الزِّيادة والنُّقصان، ويعلم قِصَرها وأنَّها أنفاس معدودة متصرِّمة، كلُّ نَفَسٍ منها يقابله آلافُ آلافٍ من السِّنين في دار البقاء، فليس لهذه الأيام الخالية نسبةٌ قطُّ إلى أيام البقاء، والعبد يُساوق زمنه في مدَّة عمره١ إلى النعيم أو إلى الجحيم، وهي كمدَّة المنام لمن له عقلٌ حيٌّ وقلبٌ واعٍ، فما أولاه أن لا يصرف منها نَفَسًا إلا في أحبِّ الأمور إلى الله، فلو صرفه فيما يحبُّه وترك الأحبَّ لكان مفرِّطًا، فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه؟ فكيف فيما يَمقته عليه ربُّه؟ فالله المستعان.

ويحتمل أن يريد بالأيام أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم [بها]٢، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]. وقد فسِّرت أيام الله بنعمه، وفسِّرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي، فالأوَّل تفسير ابن عبَّاسٍ وأبيِّ بن كعبٍ ومجاهدٍ، والثاني تفسير مقاتلٍ٣. والصواب أنَّ أيَّامه تعمُّ النَّوعين، وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه، ونعمه التي ساقها إلى أوليائه. وسمِّيت هذه النِّعم والنِّقم الكبار المتحدَّث بها أيَّامًا لأنها ظرف لها، تقول العرب: فلان

  1. (١) ع: «العمر».
  2. (٢) ما بين الحاصرتين من ع، والسياق يقتضيه.
  3. (٣) والأول قول قتادة أيضًا، وروي عن أبيٍّ بن كعب في حديث مرفوع عند مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢)، والأشبه أنه مدرج فيه موقوف. والثاني قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أيضًا. انظر: «تفسير الطبري» (١٣/ ٥٩٦ - ٥٩٨) و«تفسير مقاتل» (٢/ ١٨٣).
79

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي