مدارج السالكين

يُسأل بالاسم المناسب له، فتأمَّل أدعية القرآن والحديث النبويِّ تجدها كذلك.

وأمّا (معرفة الأيَّام) فيحتمل أن يريد به أيَّامه التي تخصُّه، وما يلحقه فيها من الزِّيادة والنُّقصان، ويعلم قِصَرها وأنَّها أنفاس معدودة متصرِّمة، كلُّ نَفَسٍ منها يقابله آلافُ آلافٍ من السِّنين في دار البقاء، فليس لهذه الأيام الخالية نسبةٌ قطُّ إلى أيام البقاء، والعبد يُساوق زمنه في مدَّة عمره١ إلى النعيم أو إلى الجحيم، وهي كمدَّة المنام لمن له عقلٌ حيٌّ وقلبٌ واعٍ، فما أولاه أن لا يصرف منها نَفَسًا إلا في أحبِّ الأمور إلى الله، فلو صرفه فيما يحبُّه وترك الأحبَّ لكان مفرِّطًا، فكيف إذا صرفه فيما لا ينفعه؟ فكيف فيما يَمقته عليه ربُّه؟ فالله المستعان.

ويحتمل أن يريد بالأيام أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم [بها]٢، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]. وقد فسِّرت أيام الله بنعمه، وفسِّرت بنقمه من أهل الكفر والمعاصي، فالأوَّل تفسير ابن عبَّاسٍ وأبيِّ بن كعبٍ ومجاهدٍ، والثاني تفسير مقاتلٍ٣. والصواب أنَّ أيَّامه تعمُّ النَّوعين، وهي وقائعه التي أوقعها بأعدائه، ونعمه التي ساقها إلى أوليائه. وسمِّيت هذه النِّعم والنِّقم الكبار المتحدَّث بها أيَّامًا لأنها ظرف لها، تقول العرب: فلان

  1. (١) ع: «العمر».
  2. (٢) ما بين الحاصرتين من ع، والسياق يقتضيه.
  3. (٣) والأول قول قتادة أيضًا، وروي عن أبيٍّ بن كعب في حديث مرفوع عند مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢)، والأشبه أنه مدرج فيه موقوف. والثاني قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أيضًا. انظر: «تفسير الطبري» (١٣/ ٥٩٦ - ٥٩٨) و«تفسير مقاتل» (٢/ ١٨٣).
79

عالم بأيام العرب وأيام النَّاس، أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام. فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد الاستبصار للعبرة١، وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].

ولا يتمُّ ذلك إلا بـ (السلامة من الأغراض) وهي: متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمَّارة٢؛ فإنّ اتِّباع الهوى يطمس نور العقل، ويعمي بصيرة القلب، ويصدُّ عن اتِّباع الحقِّ، ويضلُّ عن الطريق٣ المستقيم، فلا تحصل بصيرة العبرة معه البتَّة. والعبد إذا اتَّبع هواه فسد رأيه ونظره، فأَرَتْه نفسُه الحسن في صورة القبيح، والقبيحَ في صورة الحسن، فالتبس عليه الحقُّ بالباطل، فأنَّى له الانتفاع بالتّذكُّر، أو بالتّفكُّر، أو بالعظة؟

فصل٤ (وإنَّما تُجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء: بقصر الأمل، والتّأمُّل في القرآن، وقلَّة الخلطة والتمنِّي والتعلُّق بغير الله والشِّبع والمنام).

يعني أنَّ في منزل التذكُّر تُجتنى ثمرة الفكرة لأنه أعلى منها، وكلُّ مقامٍ تجتنى ثمرته في الذي هو أعلى منه، ولاسيَّما على ما قرَّره في خطبة كتابه٥:

  1. (١) ع: «للعِبَر».
  2. (٢) في ع زيادة: «بالسوء».
  3. (٣) م، ش: «الصراط».
  4. (٤) أُلحق في هامش ش: «قال صاحب المنازل». والنص منه (ص ١٥).
  5. (٥) (ص ٣)، ولفظه: «إن العبد لا يصح له مقام حتى يرتفع عنه، ثم يُشرف عليه فيصححه».
80

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي