مدارج السالكين

عالم بأيام العرب وأيام النَّاس، أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام. فمعرفة هذه الأيام توجب للعبد الاستبصار للعبرة١، وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].

ولا يتمُّ ذلك إلا بـ (السلامة من الأغراض) وهي: متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمَّارة٢؛ فإنّ اتِّباع الهوى يطمس نور العقل، ويعمي بصيرة القلب، ويصدُّ عن اتِّباع الحقِّ، ويضلُّ عن الطريق٣ المستقيم، فلا تحصل بصيرة العبرة معه البتَّة. والعبد إذا اتَّبع هواه فسد رأيه ونظره، فأَرَتْه نفسُه الحسن في صورة القبيح، والقبيحَ في صورة الحسن، فالتبس عليه الحقُّ بالباطل، فأنَّى له الانتفاع بالتّذكُّر، أو بالتّفكُّر، أو بالعظة؟

فصل٤ (وإنَّما تُجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء: بقصر الأمل، والتّأمُّل في القرآن، وقلَّة الخلطة والتمنِّي والتعلُّق بغير الله والشِّبع والمنام).

يعني أنَّ في منزل التذكُّر تُجتنى ثمرة الفكرة لأنه أعلى منها، وكلُّ مقامٍ تجتنى ثمرته في الذي هو أعلى منه، ولاسيَّما على ما قرَّره في خطبة كتابه٥:

  1. (١) ع: «للعِبَر».
  2. (٢) في ع زيادة: «بالسوء».
  3. (٣) م، ش: «الصراط».
  4. (٤) أُلحق في هامش ش: «قال صاحب المنازل». والنص منه (ص ١٥).
  5. (٥) (ص ٣)، ولفظه: «إن العبد لا يصح له مقام حتى يرتفع عنه، ثم يُشرف عليه فيصححه».
80

كلُّ١ مقامٍ يصحِّح ما قبله.

ثمَّ ذكر أن هذه الثمرة تجتنى بثلاثة أشياء، أحدها: قصر الأمل، والثاني: تدبُّر القرآن، والثّالث: تجنُّب مفسدات القلب الخمسة.

فأمَّا (قصر الأمل) فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدَّة الحياة٢، وهو من أنفع الأمور للقلب، فإنّه يبعثه على مغافصة الأيام، وانتهاز الفرص التي تمرُّ مرَّ السّحاب، ومبادرة طيِّ صحائف الأعمال، ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء، ويحثُّه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط، ويزهِّده في الدُّنيا ويرغِّبه في الآخرة، فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعةَ قصر الأمل شاهدٌ من شواهد اليقين يُريه فناء الدُّنيا وسرعةَ انقضائها وقلَّة ما بقي منها، وأنها قد ترحَّلت مدبرةً، ولم يبق منها إلا صبابةٌ كصبابة الإناء يتصابُّها صاحبها٣، وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يومٍ صارت شمسه على رؤوس الجبال؛ ويريه بقاء الآخرة ودوامها، وأنها قد ترحَّلت مقبلةً، وقد جاء أشراطها وأعلامها٤، وأنه مِن لقائها كمسافرٍ خرج صاحب له يتلقَّاه، وكلٌّ منهما يسير إلى الآخر، فيوشك أن يلتقيا سريعًا.

  1. (١) ع: «أن كلَّ».
  2. (٢) م، ج، ن: «مدة عمر الحياة»، ولعل منشأه ما في الأصل حيث كتب ناسخه: «مدة العمر الحياة» مع الضرب على كلمة «العمر» لكن بطريقة يوهم أن الضرب على أداة التعريف فقط.
  3. (٣) أي: البقية اليسيرة في الإناء يشربها صاحبها. وهو مقتبس من خطبة لعُتبة بن غزوان المازني ﵁ خطبها بالبصرة. أخرجها مسلم (٢٩٦٧/ ١٤).
  4. (٤) ع: «علامتها».
81

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي