وأمَّا (التأمُّل في القرآن) فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمعُ الفكر على تدبُّره وتعقُّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرَّد تلاوته بلا تفهُّمٍ٢ ولا تدبُّرٍ، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[ص: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ﴾[محمد: ٢٤]. وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾[المؤمنون: ٦٨]. وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[الزخرف: ٣]. وقال الحسن ﵁: نزل القرآن ليُتدبَّر ويُعمَل به، فاتَّخَذوا تلاوته عملًا٣.
(١) أخرجه أحمد (٦٥٠٢) وأبو داود (٥٢٣٦) والترمذي (٢٣٣٥) والبخاري في «الأدب المفرد» (٤٥٦) وابن حبان (٢٩٩٧) من حديث عبد الله بن عمرو. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والخُصُّ: البيت من القصب، وجمعه: خُصوص وأخصاص. سُمِّي بذلك لما فيه من الخَصاص، وهي الفُرَج.
(٢) ع: «فهمٍ».
(٣) عزاه إلى الحسن ابنُ قُتيبة في «تأويل مشكل القرآن» (ص ٢٣٣) ولم يسنده. وإنما أسنده الآجري في «أخلاق حملة القرآن» (ص ٧٦) والخطيب في «اقتضاء العلم العمل» (١١٦) عن الفضيل بن عياض ﵀ قوله. وعزاه صاحب «قوت القلوب» (١/ ١٤٥) ــ وعنه صاحب «الإحياء» (١/ ٢٧٥) ــ إلى ابن مسعود، ولا إخاله يصح.
فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبُّر القرآن وإطالة التأمُّل له، وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشرِّ بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتَتُلُّ١ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبِّت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيِّد بُنيانه وتوطِّد أركانه، وتريه صورة الدُّنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتُحضره بين الأمم وتريه أيّام الله فيهم، وتبصِّره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرِّفه ذاته وأسماءه وصفاتِه وأفعالَه، وما يحبُّه وما يبغضه، وصراطَه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول إليه والقدوم عليه، وقواطعَ الطريق وآفاتِها، وتعرِّفه النفسَ وصفاتِها، ومفسداتِ الأعمال ومصحِّحاتها، وتعرِّفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالَهم وأحوالهم وسيماهم، ومراتبَ أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسامَ الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما يفترقون فيه.
وبالجملة تعرِّفه الربَّ المدعوَّ إليه، وطريقَ الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.
وتعرِّفه في مقابل ذلك ثلاثةً أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.
(١) أي: تَصبُّ وتُلقي، وكأن التعبير مقتبس من حديث أبي هريرة في «المسند» (١٠٥١٧) وغيره: «بينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّتْ في يدي». هذا، وقد ضُبط في الأصل وع بالثاء المثلثة: «تَثُلُّ»، وهو بمعناه.