مدارج السالكين

فهذه ستَّة أمورٍ ضروريَّة للعبد معرفتُها. ومشاهدتُها ومطالعتُها تُشهده١ الآخرة حتى كأنَّه فيها، وتغيِّبه عن الدُّنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميِّز له بين الحقِّ والباطل في كلِّ ما اختَلَف فيه العالَم، فتريه الحقّ حقًّا والباطل باطلًا، وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرِّق به بين الهدى والضلال والغيِّ والرَّشاد، وتعطيه قوَّةً في قلبه وحياةً وسعةً وانشراحًا وبهجةً وسرورًا، فيَصير في شأنٍ والناس في شأنٍ آخر.

فإنَّ معاني القرآن دائرةٌ على التَّوحيد وبراهينه، والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال، وما يتنزَّه عنه من سمات النّقص٢؛ وعلى الإيمان بالرُّسل، وذكر براهين صدقهم وأدلَّة صحَّة نبوَّتهم، والتّعريف بحقوقهم وحقوق مُرسِلهم؛ وعلى الإيمان بملائكته ــ وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرُهم الأمورَ بإذنه ومشيئته ــ، وما جُعلوا عليه من أمر العالم العلويِّ والسُّفليِّ، وما يختصُّ بالنوع الإنسانيِّ منهم حين يستقرُّ في رحم أمِّه إلى أن يوافي ربَّه ويَقْدَمَ عليه؛ وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعدَّ الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التي لا يشوبها ألم ولا نكد ولا تنغيص، وما أعدَّ لأعدائه من دار العقاب الوبيل التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح، وتفاصيلِ ذلك أتمَّ تفصيلٍ وأبينَه؛ وعلى٣ تفاصيل الأمر والنهي، والشرع

  1. (١) كذا في الأصل. وفي سائر النسخ: «فتشهده»، وعليه يكون «مشاهدتُها ومطالعتُها» معطوفًا على «معرفتها».
  2. (٢) علَّق ابن أبي العز في هامش نسخته (ل) بإزاء هذه الفقرة: «وما يجب ويجوز ويستحيل للحق وللخلق».
  3. (٣) واو العطف ساقطة من جميع النسخ عدا ع.
85

والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعِبَر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم، والمبادئ والغايات في خلقه وأمره.

فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربِّه بالوعد الجميل، وتحذِّره وتخوِّفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثُّه على التضمُّر والتخفُّف للقاء اليوم الثقيل، وتَهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصدُّه عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النِّعم بشكر ربِّه الجليل، وتبصِّره بحدود الحلال والحرام وتَقِفُه١ عليها لئلَّا يتعدَّاها فيقع في العناء الطَّويل، وتثبِّت قلبه عن الزيغ والميل عن الحقِّ والتّحويل، وتسهِّل عليه الأمور الصِّعاب والعقبات الشاقَّة غاية التسهيل، وتناديه كلَّما فترت عزماتُه وونى في سيره: تقدَّم الرّكب وفاتك٢، فاللَّحاق اللَّحاق، والرحيل الرحيل! وتحدو به وتسير أمامه سيرَ الدليل، وكلَّما خرج عليه كمينٌ من كمائن العدوِّ أو قاطعٌ من قطّاع الطّريق نادَتْه: الحذر الحذر! فاعتصِمْ بالله واستعن به وقُل: حسبي الله ونعم الوكيل.

وفي تأمُّل القرآن وتدبُّره وتفهُّمه أضعافُ أضعافِ ما ذكرناه٣ من الحكم والفوائد. وبالجملة فهو أعظم الكنوز، طِلَّسْمُه٤: الغوص بالفكر إلى قرار معانيه.

  1. (١) ع: «توقفه»، خلاف الفصيح.
  2. (٢) في ع زيادة: «الدليل».
  3. (٣) ع: «ذكرنا» دون الهاء.
  4. (٤) أي: سِرُّ إدراكه.
86

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي