مدارج السالكين

والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعِبَر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم، والمبادئ والغايات في خلقه وأمره.

فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربِّه بالوعد الجميل، وتحذِّره وتخوِّفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثُّه على التضمُّر والتخفُّف للقاء اليوم الثقيل، وتَهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصدُّه عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النِّعم بشكر ربِّه الجليل، وتبصِّره بحدود الحلال والحرام وتَقِفُه١ عليها لئلَّا يتعدَّاها فيقع في العناء الطَّويل، وتثبِّت قلبه عن الزيغ والميل عن الحقِّ والتّحويل، وتسهِّل عليه الأمور الصِّعاب والعقبات الشاقَّة غاية التسهيل، وتناديه كلَّما فترت عزماتُه وونى في سيره: تقدَّم الرّكب وفاتك٢، فاللَّحاق اللَّحاق، والرحيل الرحيل! وتحدو به وتسير أمامه سيرَ الدليل، وكلَّما خرج عليه كمينٌ من كمائن العدوِّ أو قاطعٌ من قطّاع الطّريق نادَتْه: الحذر الحذر! فاعتصِمْ بالله واستعن به وقُل: حسبي الله ونعم الوكيل.

وفي تأمُّل القرآن وتدبُّره وتفهُّمه أضعافُ أضعافِ ما ذكرناه٣ من الحكم والفوائد. وبالجملة فهو أعظم الكنوز، طِلَّسْمُه٤: الغوص بالفكر إلى قرار معانيه.

  1. (١) ع: «توقفه»، خلاف الفصيح.
  2. (٢) في ع زيادة: «الدليل».
  3. (٣) ع: «ذكرنا» دون الهاء.
  4. (٤) أي: سِرُّ إدراكه.
86
نزِّه فؤادك عن سوى روضاتهفرياضه حِلٌّ لكلِّ منزِّهِ
والفهمُ طِلَّسْمٌ لكنزِ علومهفاقصد إلى االطلَّسْمِ تحظَ بكنزهِ
لا تخش من بدعٍ لهم وحوادثٍما دمتَ في كنف الكتاب وحرزهِ
من كان حارسَه الكتابُ ودرعَهلم يخش من طعن العدوِّ ووَخْزهِ١
لا تخشَ من شبهاتهم واحمِلْ إذاما قابلتك بنصره وبعزِّه
والله ما هاب امرؤٌ شبهاتِهمإلَّا لضعف القلب منه وعجزهِ
يا ويحَ تيسٍ ظالعٍ يبغي مسابقة الهِزَبْرِ بعَدْوه وبجَمْزهِ٢
ودخانِ زَبلٍ يرتقي للشّمس يَســتُرُ عينها لمَّا سرى في أزِّه
وجبانِ قلبٍ أعزلٍ قد رام يأسِرُ فارسًا شاكي السِّلاح بهزِّه٣

فصل

وأمَّا مفسدات القلب الخمسة، فهي التي أشار إليها مِن كثرة الخلطة، والتمنِّي، والتعلُّق بغير الله، والشِّبع، والمنام. فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب، فنذكر آثارها التي اشتركت فيها، وما تميَّز به كلُّ واحدٍ منها:

اعلم أنّ القلب يسير إلى الله والدّار الآخرة، ويكشف عن طريق الحقِّ ونهجه، وآفاتِ النفس والعمل وقطاعِ الطريق= بنوره وحياته وقوَّته، وصحَّته وعزمه، وسلامة سمعه وبصره، وغيبة الشّواغل والقواطع عنه. وهذه

  1. (١) ع: «ووَكْزه». كلاهما بمعنى الطعن إلا أن الوخز يكون بالرمح والخنجر ونحوهما، والوكز يكون باليد والعصا.
  2. (٢) الظالع: الذي يعرج ويغمز في مشيه. والجمز: العَدو فوق العَنَق ودون الحُضْر.
  3. (٣) الظاهر أن هذه الأبيات من نظم المؤلف.
87

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي