مدارج السالكين
نزِّه فؤادك عن سوى روضاتهفرياضه حِلٌّ لكلِّ منزِّهِ
والفهمُ طِلَّسْمٌ لكنزِ علومهفاقصد إلى االطلَّسْمِ تحظَ بكنزهِ
لا تخش من بدعٍ لهم وحوادثٍما دمتَ في كنف الكتاب وحرزهِ
من كان حارسَه الكتابُ ودرعَهلم يخش من طعن العدوِّ ووَخْزهِ١
لا تخشَ من شبهاتهم واحمِلْ إذاما قابلتك بنصره وبعزِّه
والله ما هاب امرؤٌ شبهاتِهمإلَّا لضعف القلب منه وعجزهِ
يا ويحَ تيسٍ ظالعٍ يبغي مسابقة الهِزَبْرِ بعَدْوه وبجَمْزهِ٢
ودخانِ زَبلٍ يرتقي للشّمس يَســتُرُ عينها لمَّا سرى في أزِّه
وجبانِ قلبٍ أعزلٍ قد رام يأسِرُ فارسًا شاكي السِّلاح بهزِّه٣

فصل

وأمَّا مفسدات القلب الخمسة، فهي التي أشار إليها مِن كثرة الخلطة، والتمنِّي، والتعلُّق بغير الله، والشِّبع، والمنام. فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب، فنذكر آثارها التي اشتركت فيها، وما تميَّز به كلُّ واحدٍ منها:

اعلم أنّ القلب يسير إلى الله والدّار الآخرة، ويكشف عن طريق الحقِّ ونهجه، وآفاتِ النفس والعمل وقطاعِ الطريق= بنوره وحياته وقوَّته، وصحَّته وعزمه، وسلامة سمعه وبصره، وغيبة الشّواغل والقواطع عنه. وهذه

  1. (١) ع: «ووَكْزه». كلاهما بمعنى الطعن إلا أن الوخز يكون بالرمح والخنجر ونحوهما، والوكز يكون باليد والعصا.
  2. (٢) الظالع: الذي يعرج ويغمز في مشيه. والجمز: العَدو فوق العَنَق ودون الحُضْر.
  3. (٣) الظاهر أن هذه الأبيات من نظم المؤلف.
87

الخمسة تطفئ نوره، وتُغوِّر١ عينَ بصيرته، وتُثقل سمعه إن لم تُصِمَّه٢ وتُبكِمْه، وتُضعفُ قواه كلَّها وتوهن صحَّته، وتُفتِّر عزيمته وتوقف همَّته، وتنكسه إلى ورائه. ومن لا شعور له بهذا فميِّت القلب «وما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ»٣.

فهي عائقةٌ له عن نيل كماله، قاطعةٌ له عن الوصول إلى ما خُلق له وجُعِل نعيمُه وسعادته وابتهاجه ولذَّته في الوصول إليه، فإنّه لا نعيم له ولا لذّة ولا ابتهاج ولا كمال إلَّا بمعرفة الله ومحبَّته، والطُّمأنينةِ بذكره٤، والفرحِ والابتهاج بقُربه، والشَّوقِ إلى لقائه؛ فهذه جنَّته العاجلة، كما أنَّه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلَّا بجواره في دار النعيم في الجنَّة الآجلة؛ فله جنّتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: إنَّ في الدُّنيا جنَّةً مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة٥.

وقال بعض العارفين: إنّه ليمرُّ بالقلب أوقاتٌ أقول: إن كان أهل الجنّة في مثل هذا إنّهم لفي عيشٍ طيِّبٍ٦.

  1. (١) كذا مضبوطًا في ل. وفي م: «تُعْوِر». ولم يُحرَّر في الأصل.
  2. (٢) م: «تُعْمه».
  3. (٣) عَجُز بيت سائر للمتنبي، صدره: «من يَهُن يسهلِ الهَوان عليه»، وقد تقدَّم.
  4. (٤) في ل كتب تحت هذا السطر: «والقيام بخدمته». وكأنها زيادة مقترحة من الناسخ.
  5. (٥) ذكره المؤلف في «الوابل الصيِّب» (ص ١٠٩) أيضًا.
  6. (٦) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤/ ٢٨٦) وابن العديم في «بغية الطلب» (١٠/ ٤٤٧٧) وابن المِبْرَد في «صبِّ الخمول» (ص ١٦٥) عن أبي سليمان المغربي [في «صبِّ الخمول»: المقرئ، تصحيف] الزاهد نزيل طرسوس في قصة له.
88

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي