والجماعات١، والأعياد والحجِّ، وتعليم العلم، والجهاد والنصيحة. ويعتزلهم في الشّرِّ وفضول المباحات، فإذا٢ دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشرِّ ولم يُمكنه اعتزالهم فالحذرَ الحذرَ أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنَّهم لا بدَّ أن يؤذوه إن لم يكن له قوَّة ولا ناصر، ولكن أذًى يعقبه عزٌّ ومحبَّة له وتعظيم، وثناءٌ عليه منهم ومن المؤمنين ومن ربِّ العالمين. وموافقتهم يعقبها ذلٌّ وبغضٌ له ومقتٌ، وذمٌّ منهم ومن المؤمنين ومن ربِّ العالمين، فالصبر على أذاهم خير وأحسنُ عاقبةً وأحمدُ مآلًا.
وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعةً لله إن أمكنه، ويشجِّع نفسه ويقوِّي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطعِ له عن ذلك بأنَّ هذا رياء ومحبَّة لإظهار علمك وحالك، ونحو ذلك، فليحاربه وليستعن بالله تعالى، ويؤثِّر فيهم من الخير ما أمكنه. فإن عجَّزته المقادير عن ذلك، فليَسُلَّ قلبه من بينهم كسَلِّ الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضرًا غائبًا، قريبًا بعيدًا، نائمًا يقظانَ٣، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنَّه قد أخذ قلبه من بينهم، ورقي به إلى الملأ الأعلى، يسبِّح حول العرش مع الأرواح العُلويَّة الزاكيَّة.
وما أصعبَ هذا وأشقَّه على النُّفوس، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه، فبين العبد وبينه أن يَصدُقَ الله ويديم اللَّجأ إليه، ويُلقي نفسه على بابه طريحًا
ذليلًا. ولا يعين على هذا إلّا المحبَّةُ الصادقة١ والذِّكر الدّائم بالقلب واللِّسان، وتجنُّبُ المفسدات الأربعة الباقية الآتي ذكرُها، ولا ينال هذا إلَّا بعدَّةٍ صالحةٍ ومادَّة قويَّةٍ من الله، وعزيمةٍ صادقة، وفراغٍ من التّعلُّق بغير الله.
فصل
المفسد الثاني من مفسدات القلب: ركوبه بحر التمنِّي، وهو بحرٌ لا ساحل له. وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم.
إنَّ المُنى رأس أموال المفاليس٢
وبضاعة ركَّابه مواعيد الشياطين وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب بالجيفة.
وهي بضاعة كلِّ نفسٍ مهينةٍ خسيسة سفليَّة، ليست لها همَّةٌ تنال بها الحقائق الخارجيَّة، فاعتاضت عنها بالأماني الذِّهنية، وكلٌّ بحسب حاله، مِن مُتمنٍّ للقدرة والسُّلطان، أو للضّرب في الأرض والتَّطواف٣ في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنِّسوان والمُردان، فيمثِّل المتمنِّي صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصلها، والتذَّ بالظفر بها، فبينا هو على هذه الحال إذ استيقظ
(١) ع: «محبَّة صادقة».
(٢) عجزُ بيتٍ سائر، صدره: إذا تمنَّيت بتُّ الليل مغتبطًا ذكره مع بيت آخر الجاحظُ في «الحيوان» (٥/ ١٩١) دون عزو. وانظر: «عيون الأخبار» (١/ ٢٦١) و«أدب الدنيا والدين» (ص ٣٦١) و«بهجة المجالس» (١/ ١٢٥).