مدارج السالكين

وأحجبُ له عن مصالحه وسعادته منه، فإنَّه إذا تعلَّق بغير الله وَكَله الله١ إلى من تعلَّق به، وخذله من جهة مَن تعلَّق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله بتعلُّقه بغيره والتفاته إلى سواه، فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمَّله ممَّن تعلَّق به وصل! قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ٨١ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ٧٤ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥].

فأعظم الناس خِذلانًا من تعلَّق بغير الله، فإنَّ ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظمُ ممَّا حصل له ممَّن تعلَّق به، وهو معرَّض للزوال والفوات. ومثل المتعلِّق بغير الله كمثل المستظلِّ من الحرِّ والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت.

وبالجملة فأساس الشِّرك وقاعدته التي بُني عليها: التّعلُّق بغير الله، ولصاحبه الذّمُّ والخِذلان، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] مذمومًا لا حامد لك، مخذولًا لا ناصر لك، إذ قد يكون بعض الناس مقهورًا محمودًا كالذي قُهر بباطلٍ، وقد يكون مذمومًا منصورًا كالذي قَهَر وتسلَّط٢ بباطلٍ، وقد يكون محمودًا منصورًا كالذي تمكَّن ومَلَك بحقٍّ، والمشرك المتعلِّق بغير الله قسمه أردى الأقسام الأربعة، لا محمودٌ ولا منصور!

  1. (١) الاسم المعظَّم ليس في ش، م.
  2. (٢) زيد في ع: «عليه».
94

فصل

المفسد الرّابع من مفسدات القلب: الطعام. والمفسد له من ذلك نوعان:

أحدهما: ما يُفسده لعينه وذاته كالمحرَّمات، وهي نوعان: محرّماتٌ لحقِّ الله، كالميتة والدّم ولحم الخنزير، وذي النّاب من السِّباع والمِخلَب من الطير؛ ومحرّماتٌ لحقِّ العباد، كالمسروق والمغصوب والمنهوب، وما أُخِذ بغير رضا صاحبه، إمَّا قهرًا وإمَّا حياءً وتذمُّمًا.

والثاني: ما يفسده بقَدْره وتعدِّي حدِّه، كالإسراف في الحلال، والشِّبع المُفرط، فإنَّه يثقله عن الطاعات، ويَشْغَلُه بمزاولة مؤنة البِطنة ومحاولتها حتَّى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرُّفها ووقاية ضررها والتّأذِّي بثقلها، وقوَّى عليه موادَّ الشهوة وطُرُقَ مجاري الشيطان ووسَّعها، فإنَّه يجري من ابن آدم مجرى الدّم، فالصَّوم يضيِّق مجاريه ويسدُّ عليه طرقه، والشِّبع يُطرِّقها ويوسِّعها.

ومن أكل كثيرًا شرب كثيرًا، فنام كثيرًا، فخسر كثيرًا. وفي الحديث المشهور: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بِحَسْب ابن آدم لقيماتٌ يُقِمن صُلبَه، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه»١.

  1. (١) أخرجه أحمد (١٧١٨٦) والترمذي (٢٣٨٠) والنسائي في «الكبرى» (٦٧٣٧ - ٦٧٣٩) وابن ماجه (٣٣٤٩) وابن حبان (٦٧٤، ٥٢٣٦) والحاكم (٤/ ١٢١) من حديث المقدام بن معديكرب. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
95

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي