مدارج السالكين

الطريقة لا تنجي من عذاب الله، ولا تحصِّل لصاحبها السعادة، ولا توصله إلى المأمن.

وأمَّا (الإنصاف) الذي أسَّسوا معاملتهم عليه، فهو الإنصاف في معاملتهم لله ولخلقه. فأمّا الإنصاف في معاملة الله فأن يُعطي العبوديَّة حقَّها، وأن لا ينازع ربَّه صفاتِ إلهيَّته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له من العظمة والكبرياء والجِبْريَّة.

ومن إنصافه لربِّه أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه، ولا يستعين بها على معاصيه، ولا يحمد على رزقه غيرَه، ولا يعبد سواه، كما في الأثر الإلهيِّ: «إنِّي والإنس والجنُّ في نبإٍ عظيمٍ؛ أخلق ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكَر سواي»١.

وفي أثرٍ آخر: «ابنَ آدم ما أنصفتَني، خيري إليك نازل وشرُّك إليَّ صاعد، أتحبَّب إليك بالنِّعم وأنا غنيٌّ عنك٢، وتتبغَّض إليَّ بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، ولا يزال المَلَك الكريم يعرُج إليَّ منك بعملٍ قبيحٍ»٣.

  1. (١) أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (٩٧٤، ٩٧٥) ــ ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٧/ ٧٧) ــ والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٢٤٣) من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير وشريح بن عبيد الحضرميَّين عن أبي الدرداء مرفوعًا. وفي إسناده ضعف لانقطاعه، فإن الحضرميَّين لم يُدركا أبا الدرداء. انظر: «السلسلة الضعيفة» (٢٣٧١).
  2. (٢) ع: «وأنا عنك غني».
  3. (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «كتاب الشكر» (٤٣) وأبو نُعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ٣٧٧) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٢٦٩) عن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الكتب: إن الله ﷿ يقول ... إلخ بنحوه. وأخرج الدينَوَريُّ في «المجالسة وجواهر العلم» (١٨١) وأبو نُعيم في «الحلية» (٤/ ٢٧) عن وهب بن منبِّه أيضًا أنه قرأه في بعض الكتب.
    وروي نحوه من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا، لكن في إسناده كذَّابًا. انظر: «الضعيفة» (٣٢٨٧).
105

وفي أثرٍ آخر: «يا ابن آدم، ما من يومٍ جديدٍ إلا يأتيك من عندي رزقٌ جديد، وتأتي عنك الملائكةُ بعملٍ قبيحٍ، تأكل رزقي وتعصيني، وتدعوني فأستجيب لك، وتسألني فأعطيك، وأنا أدعوك إلى جنّتي فتأبى ذلك، وما هذا من الإنصاف»١.

وأمَّا الإنصاف في حقِّ العبيد، فأن يعاملهم بمثل ما يحبُّ أن يعاملوه به.

ولعمرُ اللهِ هذا الذي ذَكَر٢ أنه اعتصام العامَّة هو اعتصام خاصَّة الخاصَّة في الحقيقة، ولكنّ الشّيخ ﵀ ممَّن رُفع له عَلَم الفناء فشمَّر إليه، فلا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يرى مقامًا أجلَّ منه.

فصل

قال٣: (واعتصام الخاصَّة بالانقطاع، وهو صون الإرادة قبضًا، وإسبال الخُلُق على الخَلْق بسطًا، ورفض العلائق عزمًا، وهو التّمسُّك بالعروة الوثقى).

  1. (١) لم أجده.
  2. (٢) تصحفَّ «الذي ذكر» إلى «الدين ولو» في الأصل وغيره، والتصحيح من ع.
  3. (٣) «المنازل» (ص ١٦). و«قال» ساقط من النسخ عدا م، ش، ع.
106

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي