مدارج السالكين

يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة، فيصون إرادته ويقبضها عمَّا سوى الله تعالى، وهذا شبيهٌ بحال أبي يزيد١ ﵀ فيما أخبر به عن نفسه لمَّا قيل له: ما تريد؟ فقال: أريد أن لا أريد.

الثاني: (إسبال الخُلق على الخَلق بسطًا)، وهذا حقيقة التصوُّف، فإنَّه كما قال بعض العارفين٢: «التّصوُّف خلقٌ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التّصوُّف». فإنّ حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق يدلُّ على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيَّته.

وفي هذا الوصف: يكفُّ الأذى، ويحمل الأذى، ويوجد الرَّاحة، ويدير خدَّه الأيسر لمن لطمه على الأيمن٣، ويعطي رداءه لمن سلبه قميصَه، ويمشي ميلين مع من سخَّره ميلًا، وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها.

وأمَّا (رفض العلائق عزمًا) فهو العزم التامُّ على رفض العلائق وتركها في

  1. (١) البِسطامي (ت ٢٦١). وقوله هذا نقله ابن العَرِيف الصنهاجي في «محاسن المجالس» (ص ٧٧). وسينقله المؤلف مرَّة أخرى (ص ٣٣٤) معقبًّا عليه بقوله: «وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع عقلًا وفطرةً وحسًّا وشرعًا، فإنَّ الإرادة من لوازم الحي ...» إلخ. وانظر: «طريق الهجرتين» للمؤلف (١/ ٤٨٨) و«جامع المسائل» لشيخ الإسلام (٦/ ١١ - ١٣) و«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢١٨).
  2. (٢) ع: «قال أبو بكر الكتاني». هو أبو بكر محمد بن علي الكتَّاني البغدادي (ت ٣٢٨)، وقوله مسند إليه في «تاريخ بغداد» (٤/ ١٢٧) و«رسالة القشيري» (ص ٥٢٩).
  3. (٣) ع: «لمن لطم الأيمن».
107

ظاهره وباطنه. والأصل هو قطع علائق الباطن، فمتى قطعها لم تضرَّه علائق الظاهر، فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرَّك ولو كَثُر، ومتى كان في قلبك ضرَّ١ ولو لم يكن في يديك منه شيءٌ. قيل للإمام أحمد ﵀: يكون٢ الرجل زاهدًا ومعه ألفُ دينار؟ قال: «نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت»٣. ولهذا كان الصّحابة ﵃ أزهدَ الأمَّة مع ما بأيديهم من الأموال٤.

وإنّما يُحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين: حيث يخاف منها ضررًا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة، والكمال من ذلك قطع العلائق التي تصير كلاليبَ على الصِّراط تمنعه من العبور، وهي كلاليب الشَّهوات والشُّبهات، ولا يضرُّه ما تعلَّق به بعدها.

  1. (١) ع: «ضرَّك».
  2. (٢) بتقدير همزة الاستفهام، وهي مثبتة في ع. وفي م، ش: «كيف يكون»، زيادة تفسد المعنى.
  3. (٣) ذكره المؤلف في «عدة الصابرين» (ص ٥١٠). وهو في «طبقات الحنابلة» عن الخلَّال أنه بلغه ذلك عن الإمام، ولفظه: «ومعه مائة دينار». تنبيه: سقطت كلمة «مائة» من طبعتي الفقي (٢/ ١٤) والعثيمين (٣/ ٢٦)، واستدركتها من مخطوطتين للكتاب (نسخة يني جامع بتركيا، ونسخة كتابخانه مجلس شورى بإيران).
    وأسنده الخلال في رسالة «الحث على التجارة» (١٩) عن سفيان بن عيينة من قوله، ولفظه: «مائة دينار» أيضًا، وزاد: «ولا يكره الموت لفراقها».
  4. (٤) زِيد بعده في ع: «وقيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهدًا؟ قال: نعم، إن كان إذا زيد في ماله شكر، وإذا نقص شكر وصبر». وهو في «حلية الأولياء» (٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨) بنحوه.
108

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي