مدارج السالكين

ظاهره وباطنه. والأصل هو قطع علائق الباطن، فمتى قطعها لم تضرَّه علائق الظاهر، فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرَّك ولو كَثُر، ومتى كان في قلبك ضرَّ١ ولو لم يكن في يديك منه شيءٌ. قيل للإمام أحمد ﵀: يكون٢ الرجل زاهدًا ومعه ألفُ دينار؟ قال: «نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت»٣. ولهذا كان الصّحابة ﵃ أزهدَ الأمَّة مع ما بأيديهم من الأموال٤.

وإنّما يُحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين: حيث يخاف منها ضررًا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة، والكمال من ذلك قطع العلائق التي تصير كلاليبَ على الصِّراط تمنعه من العبور، وهي كلاليب الشَّهوات والشُّبهات، ولا يضرُّه ما تعلَّق به بعدها.

  1. (١) ع: «ضرَّك».
  2. (٢) بتقدير همزة الاستفهام، وهي مثبتة في ع. وفي م، ش: «كيف يكون»، زيادة تفسد المعنى.
  3. (٣) ذكره المؤلف في «عدة الصابرين» (ص ٥١٠). وهو في «طبقات الحنابلة» عن الخلَّال أنه بلغه ذلك عن الإمام، ولفظه: «ومعه مائة دينار». تنبيه: سقطت كلمة «مائة» من طبعتي الفقي (٢/ ١٤) والعثيمين (٣/ ٢٦)، واستدركتها من مخطوطتين للكتاب (نسخة يني جامع بتركيا، ونسخة كتابخانه مجلس شورى بإيران).
    وأسنده الخلال في رسالة «الحث على التجارة» (١٩) عن سفيان بن عيينة من قوله، ولفظه: «مائة دينار» أيضًا، وزاد: «ولا يكره الموت لفراقها».
  4. (٤) زِيد بعده في ع: «وقيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهدًا؟ قال: نعم، إن كان إذا زيد في ماله شكر، وإذا نقص شكر وصبر». وهو في «حلية الأولياء» (٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨) بنحوه.
108

فصل

قال١: (واعتصام خاصَّة الخاصَّة: بالاتِّصال، وهو شهود الحقِّ تفريدًا، بعد الاستحذاء٢ له تعظيمًا، والاشتغالُ به قربًا).

لمّا كان ذلك الانقطاع موصلًا إلى هذا الاتِّصال كان ذلك للمتوسِّطين، وهذا عنده لأهل الوصول.

ويعني بـ (شهود الحقِّ تفريدًا) أن يشهد الحقَّ سبحانه وحده منفردًا، ولا شيء معه، وذلك لفناء الشاهد في المشهود، والحوالة في ذلك عند القوم على الكشف. وقد تقدَّم٣ أنَّ هذا ليس بكمالٍ، وأنَّ الكمال أن يفنى بمراده عن مراد نفسه، وأمّا فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه فدون٤ هذا الفناء في الرُّتبة كما تقدَّم.

وأمَّا قوله: (بعد الاستحذاء له تعظيمًا)، فالشيخ ﵀ لكثرة لهجه بالاستعارات عبَّر عن معنًى لطيفٍ عظيمٍ بلفظة الاستحذاء التي هي استفعالٌ من المحاذاة، وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء من المُحاذي خارجًا عمَّا حاذاه، بل قد واجهه وقابله بكلِّيَّته وجميع أجزائه.

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ١٦).
  2. (٢) بالحاء المهملة كما سيأتي في شرح المؤلف، وهو تبعٌ فيه لـ «شرح التلمساني» (ص ٩٨). والذي في مطبوعة «المنازل»: (الاستخذاء) بالخاء المعجمة، وذكر القاساني في «شرحه» (ص ٨٢) أنه هكذا في النسخة المقروءة على الشيخ. والاستخذاء هو التذلُّل والخضوع والانقياد. انظر: «تاج العروس» (خذأ، خذي).
  3. (٣) (١/ ٢٥٥) وما بعدها.
  4. (٤) كذا في ع، وهو غير محرَّر في الأصل، يشبه: «فلأن»، وإليه تصحَّف في سائر النسخ.
109

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي