قال١: (واعتصام خاصَّة الخاصَّة: بالاتِّصال، وهو شهود الحقِّ تفريدًا، بعد الاستحذاء٢ له تعظيمًا، والاشتغالُ به قربًا).
لمّا كان ذلك الانقطاع موصلًا إلى هذا الاتِّصال كان ذلك للمتوسِّطين، وهذا عنده لأهل الوصول.
ويعني بـ (شهود الحقِّ تفريدًا) أن يشهد الحقَّ سبحانه وحده منفردًا، ولا شيء معه، وذلك لفناء الشاهد في المشهود، والحوالة في ذلك عند القوم على الكشف. وقد تقدَّم٣ أنَّ هذا ليس بكمالٍ، وأنَّ الكمال أن يفنى بمراده عن مراد نفسه، وأمّا فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه فدون٤ هذا الفناء في الرُّتبة كما تقدَّم.
وأمَّا قوله: (بعد الاستحذاء له تعظيمًا)، فالشيخ ﵀ لكثرة لهجه بالاستعارات عبَّر عن معنًى لطيفٍ عظيمٍ بلفظة الاستحذاء التي هي استفعالٌ من المحاذاة، وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء من المُحاذي خارجًا عمَّا حاذاه، بل قد واجهه وقابله بكلِّيَّته وجميع أجزائه.
(١) «منازل السائرين» (ص ١٦).
(٢) بالحاء المهملة كما سيأتي في شرح المؤلف، وهو تبعٌ فيه لـ «شرح التلمساني» (ص ٩٨). والذي في مطبوعة «المنازل»: (الاستخذاء) بالخاء المعجمة، وذكر القاساني في «شرحه» (ص ٨٢) أنه هكذا في النسخة المقروءة على الشيخ. والاستخذاء هو التذلُّل والخضوع والانقياد. انظر: «تاج العروس» (خذأ، خذي).
(٣) (١/ ٢٥٥) وما بعدها.
(٤) كذا في ع، وهو غير محرَّر في الأصل، يشبه: «فلأن»، وإليه تصحَّف في سائر النسخ.
ومراده بذلك: القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه. ولا ريب أنَّ العبد يَقرُب من ربِّه، والربُّ يقرُب من عبده، فأمَّا قرب العبد فكقوله تعالى: ﴿تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾[العلق: ١٩]، وكقوله في الأثر الإلهيِّ: «من تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا»١، وكقوله: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي»٢.
وفي الحديث الصحيح: «أقرب ما يكون الربُّ من عبده في جوف اللَّيل الأخير٣»٤.
وفي الحديث أيضًا: «أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ»٥.
وفي الحديث الصحيح لمَّا ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبيِّ ﷺ في السّفر فقال: «يا أيُّها النّاس، ارْبَعُوا على أنفسكم، إنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا
(١) أخرجه البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٢٦٨٧) أيضًا من حديث أبي ذر، وهذا لفظه.
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة دون قوله: «فبي يسمع ...» إلخ، فإنه لم يُروَ مسندًا كما سبق بيانه (١/ ٤٠٨).
(٣) م، ش: «الآخر»، وهو لفظ مصادر التخريج.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٥٧٩) والنسائي (٥٧٢) وابن خزيمة (١١٤٧) والحاكم (١/ ٣٠٩) من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السُّلَمي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.