مدارج السالكين

ومراده بذلك: القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه. ولا ريب أنَّ العبد يَقرُب من ربِّه، والربُّ يقرُب من عبده، فأمَّا قرب العبد فكقوله تعالى: ﴿تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وكقوله في الأثر الإلهيِّ: «من تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا»١، وكقوله: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي»٢.

وفي الحديث الصحيح: «أقرب ما يكون الربُّ من عبده في جوف اللَّيل الأخير٣»٤.

وفي الحديث أيضًا: «أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ»٥.

وفي الحديث الصحيح لمَّا ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبيِّ ﷺ في السّفر فقال: «يا أيُّها النّاس، ارْبَعُوا على أنفسكم، إنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٢٦٨٧) أيضًا من حديث أبي ذر، وهذا لفظه.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة دون قوله: «فبي يسمع ...» إلخ، فإنه لم يُروَ مسندًا كما سبق بيانه (١/ ٤٠٨).
  3. (٣) م، ش: «الآخر»، وهو لفظ مصادر التخريج.
  4. (٤) أخرجه الترمذي (٣٥٧٩) والنسائي (٥٧٢) وابن خزيمة (١١٤٧) والحاكم (١/ ٣٠٩) من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السُّلَمي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
  5. (٥) أخرجه مسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة.
110

غائبًا، إنَّ الذي١ تدعونه سميع قريب، أقرب٢ إلى أحدكم من عنق راحلته»٣.

فعبَّر الشيخ ﵀ عن طلب القرب منه، ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تَقَرُّ عيون عابديه وأوليائه إلَّا به= بالاستحذاء. وحقيقته: موافاة العبد إلى حضرته وقدَّامه وبين يديه، عكس حال من نبذه وراءه ظِهريًّا وأعرض عنه ونأى بجانبه، بمنزلة من ولَّى المطاعَ ظهره ومال بشقِّه عنه.

وهذا أمر لا يدرَك معناه إلَّا بوجوده وذوقه، وأحسن ما يعبَّر عنه بالعبارة النبويَّة المحمديَّة، وأقرب عبارات القوم عنه: أنَّه التقرُّب٤ برفع الوسائط التي بارتفاعها يحصل للعبد٥ حقيقة التعظيم، فلذلك قال: (الاستحذاء له تعظيمًا).

ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى «الباطن» وفهم اسمه «القريب» مع امتلاء القلب بحبِّه ولهج اللِّسان بذكره، ومن هاهنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذي كان مشمِّرًا إليه عاملًا عليه.

فإن كان مشمِّرًا إلى الفناء المتوسِّط، وهو الفناء عن شهود السِّوى، لم

  1. (١) غير محرَّر الرسم في الأصل، فتصحَّف في ل، م إلى: «الذين».
  2. (٢) «أقرب» ساقط من ل.
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٩٥٩٩) ــ واللفظ به أشبه ــ والبخاري (٢٩٩٢) ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري.
  4. (٤) ع: «التقريب».
  5. (٥) كذا في ع، وتصحَّف في سائر النسخ إلى: «ويعبد».
111

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي