مدارج السالكين

يبق في قلبه شهودٌ لغيره البتَّة، بل تضمحلُّ الرُّسوم وتفنى الإشارات، ويفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل. وفي هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعًا ورغبةً لا كرهًا، لأنَّ هذا المقام امتزج فيه الحبُّ بالتّعظيم مع القرب، وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء.

وإن كان١ مشمِّرًا للفناء العالي، وهو الفناء عن إرادة السِّوى، لم يبق في قلبه مرادٌ يزاحم مرادَه الدينيَّ الشرعيَّ النبويَّ القرآنيَّ، بل يتَّحد المرادان فيصير عينُ مراد الربِّ عينَ٢ مراد العبد، وهذا حقيقة المحبَّة الخالصة، وفيها يكون الاتِّحاد الصحيح، وهو الاتِّحاد في المراد، لا في المريد ولا في الإرادة.

فتدبَّر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلَّت فيه أقدام السالكين، وضلَّت فيه أفهام الواجدين.

وفي هذا المقام حقيقةٌ: يفنى من لم يكن إرادةً٣ وإيثارًا، ومحبَّةً وتعظيمًا، وخوفًا ورجاءً وتوكُّلًا، ويبقى من لم يزل. وفيه ترتفع الوسائط بين الرّبِّ والعبد حقيقةً، ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونًا بغاية الحبِّ وغاية التعظيم.

وفي هذا المقام يجيب داعيَ الفناء في المحبَّة طوعًا واختيارًا لا كرهًا، بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحبِّ وروحه ــ الذي قد ملأت المحبَّةُ قلبَه

  1. (١) في ع زيادة: «هذا».
  2. (٢) ع: «هو عين». ل، ش: «وعين»، خطأ.
  3. (٣) بيان للفناء، وليس خبرًا لـ «يكن» لأنها تامَّة، أي: من لم يوجد.
112

بحيث لم يبق فيه جزءٌ فارغٌ منها ــ إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوبٍ وأجمله١ وأحقُّه بالحبِّ. وهذا٢ أوجبه الحبُّ الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب، ومحوُ ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبقَ في القلب إلا المحبوب ومراده. وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله، والله المستعان.

وأمّا قوله: (والاشتغال به قربًا)، أي يَشْغَله قرب الحقِّ عن كلِّ ما سواه، وهذا حقيقة القرب، ألا ترى أنّ القريب من السُّلطان جدًّا المقبلُ عليه المكلِّمُ له لا يشتغل بشيءٍ سواه البتَّة؟ فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به.

  1. (١) م: «أجلُّه». وكذا في طبعة الفقي.
  2. (٢) في ع زيادة: «الفناء».
113

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي