بحيث لم يبق فيه جزءٌ فارغٌ منها ــ إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوبٍ وأجمله١ وأحقُّه بالحبِّ. وهذا٢ أوجبه الحبُّ الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب، ومحوُ ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبقَ في القلب إلا المحبوب ومراده. وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله، والله المستعان.
وأمّا قوله: (والاشتغال به قربًا)، أي يَشْغَله قرب الحقِّ عن كلِّ ما سواه، وهذا حقيقة القرب، ألا ترى أنّ القريب من السُّلطان جدًّا المقبلُ عليه المكلِّمُ له لا يشتغل بشيءٍ سواه البتَّة؟ فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به.
✽ ✽ ✽
(١) م: «أجلُّه». وكذا في طبعة الفقي.
(٢) في ع زيادة: «الفناء».
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفرار. قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾[الذاريات: ٥٠].
وحقيقة الفرار: الهرب من شيءٍ إلى شيءٍ، وهو نوعان: فرار السُّعداء، وفرار الأشقياء. ففرار السُّعداء: الفرار إلى الله تعالى، وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه.
وأمّا الفرار منه إليه ففرار أوليائه، قال ابن عبّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: فِرُّوا١ منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فرُّوا ممَّا سوى الله إلى الله. وقال آخرون٢: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطّاعة.
وقال صاحب «المنازل» ﵀٣: (هو الهرب ممَّا لم يكن إلى من لم يزل. وهو على ثلاث درجاتٍ: فرار العامَّة من الجهل إلى العلم عقدًا وسعيًا، ومن الكسل إلى التّشمير جدًّا٤ وعزمًا، ومن الضِّيق إلى السّعة ثقةً ورجاءً).
يريد بـ (ما لم يكن): الخلق، وبـ (ما لم يزل): الحقَّ.
(١) زِيد في ل: «به»، خطأ.
(٢) هو البغوي في «معالم التنزيل» (٧/ ٣٧٩)، وعنده القولان السابقان أيضًا.
(٣) (ص ١٧).
(٤) كذا في «شرح التلمساني» (ص ١٠١، ١٠٢). وفي مطبوعة «المنازل» و«شرح القاساني» (ص ٨٣): «حذرًا».