قوله: (ومن الكسل إلى التشمير جدًّا وعزمًا). أي يفرُّ من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجدِّ والاجتهاد.
والجدُّ هو هاهنا صدق العزم١، وإخلاصُه من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون. وهو تجنُّب السِّين وسوف وعسى ولعلَّ، فهو٢ أضرُّ شيءٍ على العبد، وهي شجر٣ ثمرها٤ الحسرات والندامات.
والفرق بين الجدِّ والعزم أنَّ العزم صدق الإرادة واستجماعها، والجدُّ صدق العمل وبذل الجهد فيه، وقد أمر الله سبحانه بتلقِّي أوامره بالعزم والجدِّ، فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾[البقرة: ٦٣]، وقال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾[الأعراف: ١٤٥]، وقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾[مريم: ١٢] أي بجدٍّ واجتهادٍ وعزمٍ، لا كمن يأخذ ما أمرتُه٥ بتردُّدٍ وفتورٍ.
وقوله: (ومن الضِّيق إلى السعة ثقةً ورجاءً)، يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه، وما هو خارجٌ عن نفسه ممَّا يتعلَّق بأسباب مصالحه ومصالحِ من يتعلّق به، وما يتعلَّق بماله وبدنه وأهله وعدوِّه؛ يهرب من ضيق صدره بذلك
(١) كذا في الأصول، وغيَّره الفقي إلى: «صدق العمل»، وهو مقتضى كلام المؤلف الآتي في التفريق بين الجد والعزم.
كلِّه إلى سعة فضاء الثِّقة بالله، وصدقِ التّوكُّل عليه، وحسنِ الرجاء لجميل صنعه به، وتوقُّعِ المرجوِّ من لطفه وبرِّه. ومن أحسن كلام العامَّة: لا همَّ مع الله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق: ٢ - ٣]، قال الرَّبيع بن خُثَيم: يجعل له مخرجًا من كلِّ ما ضاق على الناس، وقال أبو العالية: مخرجًا من كلِّ شدّةٍ١، وقال الحسن: مخرجًا ممَّا نهاه عنه٢. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾[الطلاق: ٣]: من٣ يثق بالله٤ في نوائبه ومهمَّاته يكفِه٥ كلَّ ما أهمَّه، والحسب: الكافي، حسبنا الله: كافينا الله.
وكلّما كان العبد حَسَن الظنِّ بالله، حسنَ الرجاء له، صادقَ التّوكُّل عليه، فإن الله لا يخيِّب أمله فيه البتَّة، فإنه سبحانه لا يخيِّب أمل آملٍ، ولا يضيِّع عمل عاملٍ.
وعبَّر عن الثقة وحسن الظنِّ بـ (السعة)، فإنّه لا أشرح للصّدر، ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنِّه به.
(١) في ع زيادة: «وهذا جامعٌ لشدائد الدُّنيا والآخرة، ولمضايق الدُّنيا والآخرة، فإنّ الله يجعل للمتّقي من كلِّ ما ضاق على الناس واشتدَّ عليهم في الدُّنيا والآخرة مخرجًا».
(٢) «معالم التنزيل» (٨/ ١٥١). وقول الربيع بن خثيم أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٧٧٩) وأحمد في «الزهد» (ص ٤٠٣) والطبري في «تفسيره» (٢٣/ ٤٤).