كلِّه إلى سعة فضاء الثِّقة بالله، وصدقِ التّوكُّل عليه، وحسنِ الرجاء لجميل صنعه به، وتوقُّعِ المرجوِّ من لطفه وبرِّه. ومن أحسن كلام العامَّة: لا همَّ مع الله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق: ٢ - ٣]، قال الرَّبيع بن خُثَيم: يجعل له مخرجًا من كلِّ ما ضاق على الناس، وقال أبو العالية: مخرجًا من كلِّ شدّةٍ١، وقال الحسن: مخرجًا ممَّا نهاه عنه٢. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾[الطلاق: ٣]: من٣ يثق بالله٤ في نوائبه ومهمَّاته يكفِه٥ كلَّ ما أهمَّه، والحسب: الكافي، حسبنا الله: كافينا الله.
وكلّما كان العبد حَسَن الظنِّ بالله، حسنَ الرجاء له، صادقَ التّوكُّل عليه، فإن الله لا يخيِّب أمله فيه البتَّة، فإنه سبحانه لا يخيِّب أمل آملٍ، ولا يضيِّع عمل عاملٍ.
وعبَّر عن الثقة وحسن الظنِّ بـ (السعة)، فإنّه لا أشرح للصّدر، ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنِّه به.
(١) في ع زيادة: «وهذا جامعٌ لشدائد الدُّنيا والآخرة، ولمضايق الدُّنيا والآخرة، فإنّ الله يجعل للمتّقي من كلِّ ما ضاق على الناس واشتدَّ عليهم في الدُّنيا والآخرة مخرجًا».
(٢) «معالم التنزيل» (٨/ ١٥١). وقول الربيع بن خثيم أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٧٧٩) وأحمد في «الزهد» (ص ٤٠٣) والطبري في «تفسيره» (٢٣/ ٤٤).
(٣) ل، م: «ومن».
(٤) ع: «أي: كافي مَن يثق به».
(٥) ع: «يكفيه».
فصل
قال١: (وفرار الخاصَّة من الخبر إلى الشُّهود، ومن الرُّسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى التجريد).
يعني أنَّهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرَّد خبر، حتَّى يترقَّوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه، فيطلبون التّرقِّي من٢ علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشُّهود، كما طلب إبراهيم الخليل ــ صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه ــ ذلك من ربِّه إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾[البقرة: ٢٦٠]، فطلب إبراهيم ﵇ أن يكون اليقين عِيانًا والمعلومُ مشاهَدًا.
وهذا هو المعنى الذي عبَّر عنه النبيُّ ﷺ بالشكِّ في قوله: «نحن أحقُّ بالشّكِّ من إبراهيم حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾»٣، وهو ﷺ لم يشكَّ ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنّما عبَّر عن هذا المعنى بهذه العبارة. هذا أحد الأقوال في الحديث، وفيه قولٌ ثانٍ: إنه على وجه النفي، أي لم يشكَّ إبراهيم حيث قال ما قال ولم نشكَّ نحن. وهذا القول صحيحٌ أيضًا، أي: لو كان ما طلبه للشكِّ لكنَّا نحن أحقَّ به منه، لكن لم يطلب ما طلب شكًّا، وإنّما طلبه طمأنينةً.
(١) «منازل السائرين» (ص ١٧).
(٢) ع: «عن».
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٧٢) ومسلم (١٥١) من حديث أبي هريرة.