مدارج السالكين

فصل

قوله: (ومن الحظوظ إلى التجريد)، يريد الفرار من حظوظ النُّفوس١ على اختلاف مراتبها، فإنَّه لا يعرفها إلا المعتنون بمعرفة الله ومراده وحقِّه على عبده، ومعرفةِ نفوسهم وأعمالهم وآفاتهما٢. ورُبَّ مطالبَ عاليةٍ لقومٍ من العباد هي حظوظٌ لقومٍ آخرين يستغفرون الله منها ويفرُّون إليه منها، يرونها حائلةً بينهم وبين مطلوبهم.

وبالجملة فالحظُّ: ما سوى مراد الله الدينيِّ منك، كائنًا ما كان، وهو ما بين حظٍّ محرَّمٍ إلى مكروهٍ إلى مباحٍ إلى مستحبٍّ غيرُه أحبُّ إلى الله منه. ولا يتميَّز هذا إلا في مقام الرُّسوخ في العلم بالله وأمره، وبالنفس وصفاتها وأحوالها، فهناك تتبيَّن له الحظوظ من الحقوق، ويفرُّ من الحظِّ إلى التجريد. وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا، لأنَّهم إنّما يعبدون الله على الحظوظ وعلى مرادهم منه. وأمَّا تجريد عبادته على مراده من عبده:

فتلك منزلةٌ لم يعطَها أحدٌسوى نبيٍّ وصدِّيقٍ من البشرِ
والزُّهد زهدك فيها ليس زهدك فيما قد أبيح لنا في محكم السُّورِ
والصِّدق صدقك في تجريدها وكذا الـإخلاص تخليصها إن كنتَ ذا بصرِ
كذا توكُّل أرباب البصائر فيتجريد أعمالهم من ذلك الكدرِ
كذاك توبتهم منها فهم أبدًافي توبةٍ أو يصيروا داخلَ الحُفَرِ٣
  1. (١) ش: «النفس».
  2. (٢) ش: «آفاتها».
  3. (٣) الظاهر أن الأبيات من نظم المؤلف.
121

وبالجملة فصاحب هذا التجريد لا يقنع من الله بأمرٍ يسكن إليه دون الله، ولا يفرح بما حصل له دون الله، ولا يأسى على ما فاته سوى الله، ولا يستغني برتبة شريفة وإن عَظُمت عنده أو عند الناس، فلا يستغني إلا بالله، ولا يفتقر إلا إلى الله، ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، ولا يحزن إلا على ما فاته من الله، ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه، فكلُّه بالله، وكلُّه لله، وكلُّه مع الله، وسيره دائمًا إلى الله؛ قد رُفع له عَلَم فشمَّر إليه، وتجرَّد له مطلوبُه فعمل عليه، تناديه الحظوظ: إليَّ، وهو يقول: إنَّما أريد مَن إذا حصل لي حصل لي١ كلُّ شيءٍ، وإذا فاتني فاتني كلُّ شيءٍ، فهو مع الله مجرَّدٌ عن خلقه، ومع خلقه مجرَّدٌ عن نفسه، ومع الأمر مجرَّدٌ عن حظِّه، أعني الحظَّ المزاحمَ للأمر، وأمّا الحظُّ المُعِين على الأمر فإنَّه لا يحطُّه تناوله عن مرتبته ولا يُسقطه من عين ربِّه.

وهذا أيضًا موضعٌ غلط فيه من غلط من الشُّيوخ وظنُّوا أن٢ إرادة الحظِّ نقصٌ في الإرادة. والتّحقيق فيه أنَّ الحظَّ نوعان: حظٌّ يزاحم الأمر، وحظٌّ يؤازر الأمر فينفذه؛ فالأوَّل هو المذموم، والثاني ممدوح وتناوُلُه من تمام العبوديَّة، فهذا لونٌ وهذا لونٌ.

فصل

قال٣: (وفرار خاصَّة الخاصَّة ممَّا دون الحقِّ إلى الحقِّ، ثمَّ من شهود

  1. (١) «لي» سقطت من الأصل، ل.
  2. (٢) «أن» ساقطة من جميع النسخ عدا ش، ع. ولا بد منها، وإلا لانتصب «نقص».
  3. (٣) «منازل السائرين» (ص ١٧).
122

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي