هذا على قاعدته في جعل الفناء عن الشُّهود غاية السالكين، فيفرُّ أولًا من الخلق إلى الحقِّ، ويشهد بهذا الفرار انفراد مشهوده الذي فرَّ إليه، لكن بقيت عليه بقيَّة، وهي شهودُ فراره، فبعدُ له إحساسٌ١ بالخلق، فيفرُّ ثانيًا من شهود فراره، فتنقطع النِّسب كلُّها بينه وبين الخلق بهذا الفرار الثاني، فلا تبقى فيه بقيَّة إلا ملاحظة فراره من شهود فراره، فيفرُّ من شهود الفرار من شهود الفرار٢، فتنقطع حينئذٍ النِّسب كلُّها.
وقد تقدَّم الكلام على هذا وأنَّه ليس أعلى المقامات والرُّتب، ولا هو غاية الكمال، وأنَّ فوقه ما هو أعلى منه مقامًا وأشرفُ منزلًا٣، وهو أن يشهد فراره وأنَّه بالله من الله إلى الله، فيشهد أنَّه فرَّ به منه إليه، ويعطي كلَّ مشهدٍ حقَّه من العبوديَّة، وهذا حال الكُمَّل، فالله المستعان.
✽ ✽ ✽
(١) في طبعتي الفقي والصميعي: «فيعدله إحساسًا»، خطأ.
(٢) هكذا في الأصل مع علامة التصحيح على الكلمتين حتى لا يُظنَّ أن قوله: «من شهود الفرار» تكرَّر سهوًا، وقد سقط من م، ج، ن، ع، وجميع المطبوعات.
(٣) م: «منزلة».
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: الرِّياضة١، وهي تمرين النفس على الصِّدق والإخلاص.
قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (وهي تمرين النفس على قبول الصِّدق).
وهذا يراد به أمران: تمرينها على قبول الصِّدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته، فإذا عرض عليها الصِّدق قبلَتْه وانقادت له وأذعنت له.
والثاني: قبول الحقِّ ممَّن عرضه عليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ﴾[الزمر: ٣٣]، فلا يكفي صدقك، بل لا بدَّ من صدقك وتصديقك للصادقين، فكثيرٌ من النّاس يَصْدُق، ولكن يمنعه من التّصديق كبر أو حسد أو غير ذلك.
قال٣: (وهي على ثلاث درجاتٍ: رياضة العامة، وهي تهذيب الأخلاق بالعلم، وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملة).
أمَّا (تهذيب الأخلاق بالعلم)، فالمراد به إصلاحُها وتصفيتها بموجب العلم، فلا يتحرَّك بحركةٍ ظاهرةٍ أو باطنةٍ إلا بمقتضى العلم، فتكون حركاتُ ظاهره وباطنه موزونةً بميزان الشرع.