مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: الرِّياضة١، وهي تمرين النفس على الصِّدق والإخلاص.

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (وهي تمرين النفس على قبول الصِّدق).

وهذا يراد به أمران: تمرينها على قبول الصِّدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته، فإذا عرض عليها الصِّدق قبلَتْه وانقادت له وأذعنت له.

والثاني: قبول الحقِّ ممَّن عرضه عليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ﴾ [الزمر: ٣٣]، فلا يكفي صدقك، بل لا بدَّ من صدقك وتصديقك للصادقين، فكثيرٌ من النّاس يَصْدُق، ولكن يمنعه من التّصديق كبر أو حسد أو غير ذلك.

قال٣: (وهي على ثلاث درجاتٍ: رياضة العامة، وهي تهذيب الأخلاق بالعلم، وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملة).

أمَّا (تهذيب الأخلاق بالعلم)، فالمراد به إصلاحُها وتصفيتها بموجب العلم، فلا يتحرَّك بحركةٍ ظاهرةٍ أو باطنةٍ إلا بمقتضى العلم، فتكون حركاتُ ظاهره وباطنه موزونةً بميزان الشرع.

  1. (١) ع: «منزلة الرياضة».
  2. (٢) (ص ١٧).
  3. (٣) (ص ١٧).
124

وأمَّا (تصفية الأعمال بالإخلاص)، فهو تجريدها عن أن يشوبها باعثٌ لغير الله، وهو عبارةٌ عن توحيد المراد وتجريد الباعث إليه.

وأمَّا (توفير الحقوق في المعاملة)، فهو أن تعطي ما أُمرتَ به من حقِّ الله وحقوق العباد كاملًا موفَّرًا، قد نصحتَ فيه صاحب الحقِّ غاية النُّصح وأرضيتَه كلَّ الرِّضا، ففزتَ بحمده لك وشكره.

ولمَّا كانت هذه الثلاثة شاقَّةً على النفس جدًّا كان تكلُّفها رياضةً، فإذا اعتادها صارت خُلُقًا.

قال١: (ورياضة الخاصَّة: حسم التفرُّق، وقطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه، وإبقاء العلم يجري مجراه).

يريد بحسم التفرُّق قطع ما يفرِّق قلبك عن الله بالجمعيَّة عليه والإقبال عليه بكلِّيَّتك٢، حاضرًا معه بقلبك كلِّه، لا تلتفت إلى غيره.

وأمّا (قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه)، فهو أن لا يشتغل باستحسان علوم ذلك المقام ولذَّته واستحسانه، بل يَلهى عنه معرضًا مقبلًا على الله، طالبًا للزِّيادة، خائفًا أن يكون ذلك المقام له حجابًا يقف عنده عن السَّير، فهمَّته حفظُه، ليس له همَّة ولا قوَّة أن ينهض إلى ما فوقه. ومن لم تكن همَّته التقدُّم فهو في تأخُّرٍ ولا يشعر، فإنَّه لا وقوف في الطبيعة ولا في السَّير، بل إمَّا إلى قُدَّام وإمَّا إلى وراء، فالسالك الصادق لا ينظر إلى وراء، ولا يسمع النِّداء إلَّا مِن أمامه لا من ورائه.

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ١٨).
  2. (٢) ع: «والإقبال بكليتك إليه».
125

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي