مدارج السالكين

وأمَّا (تصفية الأعمال بالإخلاص)، فهو تجريدها عن أن يشوبها باعثٌ لغير الله، وهو عبارةٌ عن توحيد المراد وتجريد الباعث إليه.

وأمَّا (توفير الحقوق في المعاملة)، فهو أن تعطي ما أُمرتَ به من حقِّ الله وحقوق العباد كاملًا موفَّرًا، قد نصحتَ فيه صاحب الحقِّ غاية النُّصح وأرضيتَه كلَّ الرِّضا، ففزتَ بحمده لك وشكره.

ولمَّا كانت هذه الثلاثة شاقَّةً على النفس جدًّا كان تكلُّفها رياضةً، فإذا اعتادها صارت خُلُقًا.

قال١: (ورياضة الخاصَّة: حسم التفرُّق، وقطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه، وإبقاء العلم يجري مجراه).

يريد بحسم التفرُّق قطع ما يفرِّق قلبك عن الله بالجمعيَّة عليه والإقبال عليه بكلِّيَّتك٢، حاضرًا معه بقلبك كلِّه، لا تلتفت إلى غيره.

وأمّا (قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه)، فهو أن لا يشتغل باستحسان علوم ذلك المقام ولذَّته واستحسانه، بل يَلهى عنه معرضًا مقبلًا على الله، طالبًا للزِّيادة، خائفًا أن يكون ذلك المقام له حجابًا يقف عنده عن السَّير، فهمَّته حفظُه، ليس له همَّة ولا قوَّة أن ينهض إلى ما فوقه. ومن لم تكن همَّته التقدُّم فهو في تأخُّرٍ ولا يشعر، فإنَّه لا وقوف في الطبيعة ولا في السَّير، بل إمَّا إلى قُدَّام وإمَّا إلى وراء، فالسالك الصادق لا ينظر إلى وراء، ولا يسمع النِّداء إلَّا مِن أمامه لا من ورائه.

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ١٨).
  2. (٢) ع: «والإقبال بكليتك إليه».
125

وأمَّا (إبقاء العلم يجري مجراه)، فالذَّهاب مع داعي العلم أين ذهب به، والجري معه في تيَّاره أين جرى. وحقيقة ذلك: الاستسلام للعلم، وأن لا يُعارضه١ بجمعيَّةٍ ولا ذوقٍ ولا حالٍ، بل امْضِ معه حيث ذهب، فالواجب تسليط العلم على الحال وتحكيمه عليه وأن لا يعارَض به. وهذا صعبٌ جدًّا إلا على الصادقين أرباب العزائم، فلذلك كان من أنواع الرِّياضة. ومتى تمرَّنت النفسُ عليه وتعوَّدته صار خلقًا.

وكثيرٌ من السالكين إذا لاحت له بارقةٌ أو غلبه حالٌ أو ذوقٌ خلَّى العلمَ وراءَ ظَهره ونبذه وراءَه ظِهريًّا، وحَكَّم عليه الحال. هذه حال أكثر السّالكين، وهي حال أهل الانحراف الذين يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، ولهذا عظمت وصيَّة أهل الاستقامة من الشُّيوخ بالعلم والتمسُّك به.

فصل

قال٢: (ورياضة خاصَّة الخاصَّة: تجريد الشُّهود، والصُّعود إلى الجمع، ورفض المعارضات وقطع المعاوضات).

أمَّا (تجريد الشُّهود) فنوعان، أحدهما: تجريده عن الالتفات إلى غيره، والثاني: تجريده عن رؤيته وشهوده.

وأمَّا (الصُّعود إلى الجمع) فيعني به: الصُّعودَ عن معاني التفرقة إلى الجمع الذاتي، وهذا يحتمل أمرين:

أحدهما: أن يصعد عن تفرقة الأفعال إلى وحدة مصدرها.

  1. (١) ج، ن: «تعارضه» للمخاطَب وهو يناسب قوله الآتي: «امضِ». وما في الأصل ول من باب الالتفات.
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ١٨)، و«شرح التلمساني» (ص ١١١) ولفظ المتن منه.
126

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي