وأمَّا (إبقاء العلم يجري مجراه)، فالذَّهاب مع داعي العلم أين ذهب به، والجري معه في تيَّاره أين جرى. وحقيقة ذلك: الاستسلام للعلم، وأن لا يُعارضه١ بجمعيَّةٍ ولا ذوقٍ ولا حالٍ، بل امْضِ معه حيث ذهب، فالواجب تسليط العلم على الحال وتحكيمه عليه وأن لا يعارَض به. وهذا صعبٌ جدًّا إلا على الصادقين أرباب العزائم، فلذلك كان من أنواع الرِّياضة. ومتى تمرَّنت النفسُ عليه وتعوَّدته صار خلقًا.
وكثيرٌ من السالكين إذا لاحت له بارقةٌ أو غلبه حالٌ أو ذوقٌ خلَّى العلمَ وراءَ ظَهره ونبذه وراءَه ظِهريًّا، وحَكَّم عليه الحال. هذه حال أكثر السّالكين، وهي حال أهل الانحراف الذين يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، ولهذا عظمت وصيَّة أهل الاستقامة من الشُّيوخ بالعلم والتمسُّك به.
والثاني: أن يصعد عن علائق الأسماء والصِّفات إلى الذات، فإنَّ شهود الذات بدون علائق الأسماء والصِّفات عندهم هو حضرة الجمع. وهذا موضع مزلَّة أقدامٍ ومضلَّة أفهامٍ لا بدَّ من تحقيقه، فنقول:
التفرقة تفرقتان: تفرقة في المفعولات، وتفرقة في معاني الأسماء والصِّفات.
والجمع جمعان: جمع في الحكم الكوني، وجمع ذاتي. فالجمع في الحكم الكوني: اجتماع المفعولات كلِّها في القضاء والقدر والحكم، والجمعُ الذاتي: اجتماع الأسماء والصِّفات في الذاتِ؛ فالذاتُ واحدةٌ جامعةٌ للأسماء والصِّفات، والقضاءُ والقَدَرُ جامعٌ لجميع المَقضيَّات والمقدورات.
والشُّهود مترتِّب على هذا وهذا١. فشهود اجتماع الكائنات في قضائه وقدره وإن كان حقًّا فهو لا يعطي إيمانًا، فضلًا عن أن يكون أعلى مقامات الإحسان، والفناء في هذا الشُّهود غايته فناءٌ في توحيد الرُّبوبيَّة الذي لا ينفع وحده، ولا بدَّ منه. وشهودُ اجتماع الأسماء والصِّفات في وحدة الذَّات شهودٌ صحيحٌ، وهو شهودٌ مطابقٌ للحقِّ في نفسه.
وأمّا الصُّعود من شهود تفرقة الأسماء والصِّفات وعلائقها إلى وحدة الذات المجرَّدة، فغايته أن يكون صاحبه معذورًا لضيق قلبه عن تفرقة الأسماء ومعاني الصفات وغلبة المشهود٢ على قلبه٣. وأمَّا أن يكون
(١) «وهذا» من ع، والسياق يقتضيها.
(٢) ش، ج، ن، ع: «الشهود».
(٣) «عن تفرقة الأسماء ... على قلبه» ساقط من طبعة الفقي.