مدارج السالكين

محمودًا في شهوده ذاتًا مجرَّدةً عن كلِّ اسمٍ وصفةٍ وعن علائقها، فكلَّا ولمَّا١!

وأيُّ إيمانٍ يعطي ذلك؟ وأيُّ معرفة؟ وإنّما هو سلب ونفي في الشُّهود، كالسَّلب والنفي في العلم والاعتقاد، فنسبته إلى الشُّهود كنسبة نفي الجهميَّة وسلبهم إلى الأخبار، لكنَّ الفرق بينهما أنَّ ذلك السلب في العلم والاعتقاد مخالفٌ للحقِّ الثابت في نفس الأمر، وكذبٌ على الله، ونفيٌ لما يستحقُّه من صفات كماله ونعوت جلاله ومعاني أسمائه الحسنى. وأمَّا هذا السلب ففي الشُّعور به للصُّعود منه إلى الجمع الذاتيِّ، مع الإيمان به والاعتراف بثبوته، فهذا لون وذاك لون.

والكمال في٢ شهود الأمر على ما هو عليه، فيشهد الذات موصوفةً بصفات الجلال منعوتةً بنعوت الكمال، وكلَّما كثر شهوده لمعاني الأسماء والصِّفات كان أكمل. نعم، قد يُعذَر في الفناء في الذات المجرَّدة لقوَّة الوارد وضَعف المحلِّ عن شهود معاني الأسماء والصِّفات.

فتأمَّل هذا الموضع وأعطه حقَّه، ولا يصدنَّك عن تحقيقه٣ ما يحيل عليه أرباب الفناء من الكشف والذوق، فإنَّا لا ننكره ونقرُّ به، لكنَّ٤ الشأن

  1. (١) التعبير عن توكيد النفي بـ «كلا ولمَّا» له نظائر في كتب المؤلف، وقد استعمله شيخ الإسلام أيضًا. انظر تعليق شيخنا محمد أجمل الإصلاحي على «زاد المعاد» (١/ ١٢).
  2. (٢) «في» ساقطة من ع.
  3. (٣) : «تحقيق ذلك».
  4. (٤) ع: «ولكن».
128

في مرتبته، وبالله التّوفيق.

وأمَّا (رفض المعارضات)، فيحتمل أمرين:

أحدهما: رفض ما يعارض شهوده الجمعيَّ من التفرُّقات، وهو مراده.

والثاني: رفض ما يعارض إرادته من الإرادات، وما يعارض مراد الله من المرادات، وهذا أكمل من الأوَّل وأعلى منه.

وأمّا (قطع المعاوضات)، فهو تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة، بل يجرِّدها١ لذاته، وأنَّه أهلٌ أن يُعبَد ولو لم يحصل لعابده عِوَض منه، فإنَّه يستحقُّ أن يُعبد لذاته لا لعلَّةٍ، ولا لغرضٍ٢ ولا لمطلوبٍ.

وهذا أيضًا موضعٌ لا بدَّ من تحريره٣ فيقال: ملاحظة المعاوضة ضرورية للعامل، وإنَّما الشأن في ملاحظة الأعواض وتبايُنها، فالمحبُّ الصادق الذي قد تجرَّد عن ملاحظة عوضٍ قد لاحظ أعظم الأعواض وشمَّر إليها، وهي قربه من الله ووصولُه إليه، واشتغالُه به عمَّا سواه، والتنعُّم بحبِّه ولذَّة الشَّوق إلى لقائه، فهذه أعواضٌ لا بدَّ للخاصَّة منها، وهي من أجلِّ مقاصدهم وأعواضهم، ولا تقدح في مقاماتهم وتجريد عبوديَّاتهم، بل أكملُهم عبوديةً أشدُّهم التفاتًا إلى هذه الأعواض.

نعم، طلب الأعواض المنفصلة المخلوقة من الجاه والمال والرِّياسة والملك، أو طلبُ الحور العين والقصور والولدان ونحو ذلك بالنِّسبة إلى

  1. (١) ل: «تجردها».
  2. (٢) ع: «لعوض».
  3. (٣) في طبعتي الفقي والصميعي: «تجريده»، تصحيف.
129

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي