مدارج السالكين

في مرتبته، وبالله التّوفيق.

وأمَّا (رفض المعارضات)، فيحتمل أمرين:

أحدهما: رفض ما يعارض شهوده الجمعيَّ من التفرُّقات، وهو مراده.

والثاني: رفض ما يعارض إرادته من الإرادات، وما يعارض مراد الله من المرادات، وهذا أكمل من الأوَّل وأعلى منه.

وأمّا (قطع المعاوضات)، فهو تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة، بل يجرِّدها١ لذاته، وأنَّه أهلٌ أن يُعبَد ولو لم يحصل لعابده عِوَض منه، فإنَّه يستحقُّ أن يُعبد لذاته لا لعلَّةٍ، ولا لغرضٍ٢ ولا لمطلوبٍ.

وهذا أيضًا موضعٌ لا بدَّ من تحريره٣ فيقال: ملاحظة المعاوضة ضرورية للعامل، وإنَّما الشأن في ملاحظة الأعواض وتبايُنها، فالمحبُّ الصادق الذي قد تجرَّد عن ملاحظة عوضٍ قد لاحظ أعظم الأعواض وشمَّر إليها، وهي قربه من الله ووصولُه إليه، واشتغالُه به عمَّا سواه، والتنعُّم بحبِّه ولذَّة الشَّوق إلى لقائه، فهذه أعواضٌ لا بدَّ للخاصَّة منها، وهي من أجلِّ مقاصدهم وأعواضهم، ولا تقدح في مقاماتهم وتجريد عبوديَّاتهم، بل أكملُهم عبوديةً أشدُّهم التفاتًا إلى هذه الأعواض.

نعم، طلب الأعواض المنفصلة المخلوقة من الجاه والمال والرِّياسة والملك، أو طلبُ الحور العين والقصور والولدان ونحو ذلك بالنِّسبة إلى

  1. (١) ل: «تجردها».
  2. (٢) ع: «لعوض».
  3. (٣) في طبعتي الفقي والصميعي: «تجريده»، تصحيف.
129

تلك الأعواض التي يطلبها الخاصَّة= معلولةٌ، وهذا لا شكَّ فيه إذا تجرَّد طلبُهم لها.

أمَّا إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتيُّ قربَه والوصولَ إليه والتّنعُّمَ بحبِّه والشوقَ إلى لقائه، وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل= فلا علَّة في هذه العبودية بوجهٍ ما ولا نقص، وقد قال النبيُّ ﷺ: «حولَها نُدَندِن»١ يعني الجنَّة، وقال: «إذا سألتم الله فَسَلُوه٢ الفردوس، فإنَّه وسط الجنَّة وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنَّة»٣، ومعلومٌ أنَّ هذا مسكنُ خاصَّة الخاصَّة وسادات العارفين، فسؤالهم إيَّاه ليس علَّةً في عبوديَّتهم ولا قدحًا فيها.

وقد استوفينا ذكر هذا الموضع في كتاب «سفر الهجرتين» عند الكلام على علل المقامات٤.

ويحتمل أن يريد الشَّيخ ﵀ بقطع المعاوضات أن تشهد أنَّ الله ما أعطاك شيئًا معاوضةً، بل تفضُّلًا وإحسانًا، لا لعوضٍ يرجوه منك، كما يكون من عطاء العبد للعبد. ولكن إنَّما نتكلّم فيما من العبد ممَّا يؤمَر بالتجريد عنه، كتجرُّده عن التفرقة والمعاوضة، وهو أليق المعنيين بكلامه، والله أعلم.

  1. (١) حديث صحيح، وسيأتي تخريجه (ص ٢٧٩).
  2. (٢) كذا في الأصل وش. وفي سائر الأصول: «فاسألوه». وكلاهما عند البخاري.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٢٧٩٠، ٧٤٢٣) من حديث أبي هريرة.
  4. (٤) (ص ٤٧٩ - ٤٩١).
130

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي