تلك الأعواض التي يطلبها الخاصَّة= معلولةٌ، وهذا لا شكَّ فيه إذا تجرَّد طلبُهم لها.
أمَّا إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتيُّ قربَه والوصولَ إليه والتّنعُّمَ بحبِّه والشوقَ إلى لقائه، وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل= فلا علَّة في هذه العبودية بوجهٍ ما ولا نقص، وقد قال النبيُّ ﷺ: «حولَها نُدَندِن»١ يعني الجنَّة، وقال: «إذا سألتم الله فَسَلُوه٢ الفردوس، فإنَّه وسط الجنَّة وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنَّة»٣، ومعلومٌ أنَّ هذا مسكنُ خاصَّة الخاصَّة وسادات العارفين، فسؤالهم إيَّاه ليس علَّةً في عبوديَّتهم ولا قدحًا فيها.
وقد استوفينا ذكر هذا الموضع في كتاب «سفر الهجرتين» عند الكلام على علل المقامات٤.
ويحتمل أن يريد الشَّيخ ﵀ بقطع المعاوضات أن تشهد أنَّ الله ما أعطاك شيئًا معاوضةً، بل تفضُّلًا وإحسانًا، لا لعوضٍ يرجوه منك، كما يكون من عطاء العبد للعبد. ولكن إنَّما نتكلّم فيما من العبد ممَّا يؤمَر بالتجريد عنه، كتجرُّده عن التفرقة والمعاوضة، وهو أليق المعنيين بكلامه، والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) حديث صحيح، وسيأتي تخريجه (ص ٢٧٩).
(٢) كذا في الأصل وش. وفي سائر الأصول: «فاسألوه». وكلاهما عند البخاري.
(٣) أخرجه البخاري (٢٧٩٠، ٧٤٢٣) من حديث أبي هريرة.
(٤) (ص ٤٧٩ - ٤٩١).
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة السَّماع.
وهو اسم مصدرٍ كالنَّبات، وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله، وأخبر أنَّ البشرى لهم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾[المائدة: ١٠٨]، وقال: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾[التغابن: ١٦]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾١[النساء: ٤٦]، وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[الزمر: ١٧ - ١٨]، وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[الأعراف: ٢٠٤]، وقال: ﴿سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾[المائدة: ٨٣].
وجعل الإسماعَ منه والسماعَ منهم دليلًا على عِلم الخير فيهم، وعدمَ ذلك دليلًا على عدم الخير فيهم، فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ﴾[الأنفال: ٢٣].
وأخبر عن أعدائه أنّهم هجروا السماع ونهوا عنه، فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ﴾[فصلت: ٢٦].
فالسَّماعُ رسولُ الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه، وكم في القرآن من
(١) سقط ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ من الأصل، ل، ج، ع.