ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة السَّماع.
وهو اسم مصدرٍ كالنَّبات، وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله، وأخبر أنَّ البشرى لهم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾[المائدة: ١٠٨]، وقال: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾[التغابن: ١٦]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾١[النساء: ٤٦]، وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[الزمر: ١٧ - ١٨]، وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[الأعراف: ٢٠٤]، وقال: ﴿سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾[المائدة: ٨٣].
وجعل الإسماعَ منه والسماعَ منهم دليلًا على عِلم الخير فيهم، وعدمَ ذلك دليلًا على عدم الخير فيهم، فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ﴾[الأنفال: ٢٣].
وأخبر عن أعدائه أنّهم هجروا السماع ونهوا عنه، فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ﴾[فصلت: ٢٦].
فالسَّماعُ رسولُ الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه، وكم في القرآن من
(١) سقط ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ من الأصل، ل، ج، ع.
فالسَّماع أصل العقل، وأساس الإيمان الذي انبنى عليه، وهو رائده وجليسه ووزيره، ولكنَّ الشأن كلَّ الشأن في المسموع، وفيه وقع خبط الناس واختلافهم، وغلط من غلط منهم٢.
وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع، وتحريكه عنها طلبًا وهربًا وحبًّا وبغضًا، فهو حادٍ يحدو بكلِّ أحدٍ إلى وطنه ومألفه. وأصحاب السماع منهم من يسمع بطبعه ونفسه وهواه، فهذا حظُّه من مسموعه ما وافق طبعه. ومنهم من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله، فهذا يُفتَح له من المسموع بحسب استعداده وقوَّته ومادَّته. ومنهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره، كما في الحديث الإلهيِّ الصحيح: «فبي يسمع، وبي يبصر»٣، وهذا أعلى سماعًا وأصحُّ من كلِّ أحدٍ.
والكلام في السماع مدحًا وذمًّا يحتاج٤ إلى معرفة صورة المسموع وحقيقته، وسببه والباعث عليه، وثمرته وغايته، فبهذه الفصول الثلاثة يتحرَّر أمر السماع، ويتميَّز النافع منه والضارُّ، والحقُّ والباطل، والممدوح والمذموم.
(١) وفي سورة السجدة: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ [٢٦].
(٢) ع: «وغلط منهم من غلط».
(٣) تقدَّم (١/ ٤٠٨) أن أصله في البخاري دون هذه الزيادة، فإنها لا تثبت.