مدارج السالكين

فأمَّا المسموع فعلى ثلاثة أضربٍ:

أحدها: مسموعٌ يحبُّه الله ويرضاه، وأمر به عباده، وأثنى على أهله ورضي عنهم به.

والثاني: مسموعٌ يبغضه١ ويكرهه، ونهى عنه، ومدح المعرضين عنه.

الثالث: مسموعٌ مباحٌ مأذونٌ فيه، لا يحبُّه ولا يبغضه، ولا مدح صاحبه ولا ذمَّه، فحكمه حكم سائر المباحات من المناظر والمشامِّ والمطعومات والملبوسات المباحة.

فمن حرَّم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ما لا يعلم، وحرَّم ما أحلَّ الله. ومن جعله دينًا وقربةً يتقرَّب به إلى الله فقد كذب على الله، وشرع دينًا لم يأذن به الله، وضاهى بذلك المشركين.

فصل

فأمَّا النوع الأوَّل فهو السماع الذي مدحه في كتابه، وأمر به وأثنى على أصحابه، وذمَّ المعرضين عنه ولعنهم وجعلهم أضلَّ من الأنعام، وهم القائلون في النّار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].

وهو سماع آياته المتلوَّة التي أنزلها على رسوله ﷺ، فهذا السماع أساس الإيمان الذي عليه بناؤه. وهو على ثلاثة أنواعٍ: سماع إدراكٍ بحاسَّة الأذن، وسماع فهمٍ وعقلٍ، وسماع إجابةٍ وقبولٍ؛ والثلاثة في القرآن.

فأمَّا سماع الإدراك ففي قوله تعالى حكايةً عن مؤمني الجنِّ قولَهم:

  1. (١) ش: «يبغضه الله».
133

﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ١ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١] وقولهم: ﴿يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، فهذا سماع إدراكٍ اتَّصل به الإيمان والإجابة.

وأمّا سماع الفهم فهو المنفيُّ عن أهل الإعراض والغفلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، فالتخصيص هاهنا لإسماع الفهم والعقل، وإلَّا فالسمع العامُّ الذي قامت به الحجَّة لا تخصيص فيه.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، أي لو علم الله في هؤلاء الكفَّار قبولًا وانقيادًا لأفهمهم، وإلَّا فهُم قد سمعوا سمع الإدراك، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ﴾، أي ولو أفهمهم لما انقادوا ولا انتفعوا بما فهموه١، لأنَّ في قلوبهم من داعي٢ التولِّي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه.

وأمَّا سماع القبول والإجابة ففي قوله تعالى حكايةً عن عباده المؤمنين أنّهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فإنَّ هذا سماع٣ قبولٍ وإجابةٍ مثمرٌ للطاعة. والتّحقيق أنَّه متضمِّن للأنواع الثّلاثة، وأنَّهم أخبروا بأنَّهم أدركوا المسموع وفهموه وأجابوا له.

  1. (١) ع: «فهموا».
  2. (٢) م، ش: «دواعي».
  3. (٣) ع: «سمع».
134

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي