مدارج السالكين

ومِن سَمْع القبول: قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾١ [التوبة: ٤٧]، أي قابلون منهم مستجيبون لهم، هذا أصحُّ القولين في الآية٢.

وأمَّا قول من قال: عيونٌ لهم وجواسيسُ فضعيف، فإنَّه سبحانه أخبر عن حكمته في تثبيطهم عن الخروج بأنَّ خروجهم يوجب الخَبال والفساد، والسَّعي بين العسكر بالفتنة، وفي العسكر من يقبل منهم ويستجيب لهم، فكان في إقعادهم عنهم لطفًا٣ بهم ورحمةً، حتَّى لا يقعوا في عنت القبول منهم.

أمَّا اشتمال العسكر على جواسيسَ وعيونٍ لهم، فلا تعلُّق له بحكمة التثبيط والإقعاد، ومعلومٌ أنَّ جواسيسهم وعيونهم منهم، وهو سبحانه قد أخبر أنَّه أقعدهم لئلَّا يسعوا بالفساد في العسكر ويبغونهم٤ الفتنة، وهذه الفتنة إنَّما تندفع بإقعادهم وإقعاد جواسيسهم وعيونهم.

وأيضًا فإنَّ الجواسيس إنَّما تُسمَّى عيونًا، هذا المعروف في الاستعمال، لا تسمَّى سمَّاعين.

  1. (١) في ع اقتصر على قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾.
  2. (٢) وهو قول قتادة وابن إسحاق، والآتي قول مجاهد وابن زيد. انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٤٨٦).
  3. (٣) كذا في النسخ الخطية، والوجه الرفع.
  4. (٤) كذا في النسخ بالرفع، ويصح ذلك لو حُذفت واو العطف ليكون الفعل حالًا، وهو مقتضى لفظ الآية.
135

وأيضًا فإنَّ هذا نظير قوله تعالى في إخوانهم من اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي قابلون له.

والمقصود أنّ سماع خاصَّة الخاصَّة المقرَّبين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا، وفهمًا وتدبُّرًا، وإجابةً. وكلُّ سماعٍ في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى عليهم، وأمر به أولياءه، فهو هذا السماع.

وهو سماع الآيات، لا سماع الأبيات١؛ وسماع القرآن، لا سماع الشيطان؛ وسماع المراشد، لا سماع القصائد٢؛ وسماع الأنبياء والمرسلين والمؤمنين٣، لا سماع المغنِّين والمطربين؛ وسماع كلام ربِّ الأرض والسماء، لا سماع قصائد الشُّعراء.

فهذا السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جوار علَّام الغيوب، وسائقٌ يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، ومحرِّكٌ يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات، ومنادٍ ينادي للإيمان، ودليلٌ يدل بالركب في طريق الجنان، وداعٍ يدعو القلوب بالمساء والصباح من قِبَل فالق الإصباح: حيَّ على الفلاح، حيّ على الفلاح.

فلن تَعْدَم مِن هذا السّماع إرشادًا لحجَّة، وتبصرةً لعبرة، وتذكرةً لمعرفة،

  1. (١) «لا سماع الأبيات» ساقط من ل.
  2. (٢) «وسماع المراشد، لا سماع القصائد» تأخر في ع إلى آخر الفقرة. وأشير بين السطرين أن: «سماع الأنبياء والمرسلين، لا سماع المغنيين والمطربين» موضعه أيضًا في آخر الفقرة معطوفًا على الجملة السابقة.
  3. (٣) «والمؤمنين» ساقط من ع.
136

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي