مدارج السالكين

اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشِّعر، قال: اجعل لي كتابًا، قال: كتابك الوشم، قال: اجعل لي مؤذِّنًا، قال: مؤذِّنك المزمار، قال: اجعل لي بيتًا، قال: بيتك الحمَّام، قال: اجعل لي مصايد، قال: مصايدك النِّساء، قال: اجعل لي طعامًا، قال: طعامك ما لم يذكر عليه اسمي».

فصل

القسم الثاني من السماع: ما يبغضه ويكرهه ويمدح المُعرِض عنه، وهو سماع كلِّ ما يضرُّه في قلبه ودينه، كسماع الباطل كلِّه، إلَّا إذا تضمَّن ردَّه وإبطالَه والاعتبارَ به بعلمه بحسن ضدِّه، فإن الضدَّ يُظهر حسنَه الضدُّ١، كما قيل٢:

وإذا سمعت إلى حديثك زادنيحبًّا له سمعي حديثَ سواكا

وكسماع اللَّغو الذي مدح الله التاركين لسماعه والمُعرضين عنه بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، قال محمَّد ابن الحنفيَّة ﵁: هو الغناء، قال الحسن أو غيره: أكرموا نفوسهم عن سماعه٣.

  1. (١) ضمَّن شطر بيتٍ تقدَّم تخريجه (١/ ٢٢١).
  2. (٢) لم أقف عليه.
  3. (٣) «معالم التنزيل» (٦/ ٩٨، ٩٩) بنحوه، إلا أن قول ابن الحنفيَّة إنما ذكره البغوي في تفسير الزور من قوله تعالى أوَّلَ الآية: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، وكذا أسنده عنه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٧٣٧). وانظر: «الدر المنثور» (١١/ ٢٢٧).
139

قال ابن مسعودٍ ﵁: «الغناء ينبت النِّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل»١. وهذا كلام عارفٍ بأثر الغناء وثمرته، فإنَّه ما اعتاده أحدٌ إلَّا ونافق قلبُه وهو لا يشعر، ولو عرف حقيقة النِّفاق وغايته لأبصره في قلبه، فإنَّه ما اجتمع في قلبٍ٢ قطُّ محبَّة الغناء ومحبَّة القرآن إلَّا وطردت إحداهما الأخرى. وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه، وتبَرُّمَهم به، وصياحَهم بالقارئ إذا طوَّل عليهم، وعدمَ انتفاع قلوبهم بما يقرؤه، فلا تتحرَّك ولا تَطْرَب٣ ولا يَهيج منها بواعثُ الطلب، فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلّا الله، كيف تخشع منهم الأصوات، وتهدأ الحركات، وتسكن القلوب وتطمئن، ويقع البكاء والوَجْد، والحركةُ الظاهرة والباطنة، والسماحةُ بالأثمان والثِّياب، وطيبُ السَّهر وتمنِّي طول الليل! فإن لم يكن هذا نفاقًا فهو آخيَّة النِّفاق وأساسه.

تُلي الكتابُ فأطرقوا لا خيفةًلكنّه إطراق ساهٍ لاهي
وأتى الغناءُ فكالدِّباب٤ تراقصواواللهِ ما رقصوا مِنَ اجْل الله
  1. (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (٣٠، ٣٣، ٣٤، ٣٧) والخلال في «السنة» (١٦٤٢، ١٦٤٣) والبيهقي في «السنن الكبير» (١٠/ ٢٢٣) من طرق عن ابن مسعود موقوفًا عليه. وروي مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولا يصحّ. قال المؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٣٨ - ٤٣٩): «هو صحيح عن ابن مسعود من قوله ... وفي رفعه نظر».
  2. (٢) ع: «قلبِ عبدٍ».
  3. (٣) م: «يضطرب»، وأشير في هامشها إلى أن المثبت ورد في نسخة أخرى.
  4. (٤) في جميع المطبوعات: «كالذُّباب»، خطأ. والمراد بـ «الدِّباب» جمع «الدُّبِّ» الحيوان المعروف. انظر: «زاد المعاد» (٣/ ٣٩٨) وتعليقي عليه.
140

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي