الطِّفل يسكن إلى الصوت الطيِّب، والجمل يُقاسي تعب السَّير ومشقَّة الحمولة فيهوَّن عليه بالحُداء١.
وبأنَّ الصوت الطيِّب نعمة من الله على صاحبه وزيادةٌ في خلقه.
وبأنَّ الله ذمَّ الصوت الفظيع، فقال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾[لقمان: ١٩].
وبأنَّ الله وصف نعيم الجنة فقال فيه: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾[الروم: ١٥]، وأن ذلك هو السماع الطيِّب٢، فكيف يكون حرامًا وهو في الجنَّة؟
وبأنَّ الله تعالى ما أَذِن لشيءٍ كأَذَنه ــ أي: كاستماعه ــ لنبيٍّ حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن٣.
وبأنَّ أبا موسى الأشعريَّ ﵁ استمع النبيُّ ﷺ صوتَه وأثنى عليه بحُسن الصوت وقال: «لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود»، وقال له أبو موسى: لو أعلم أنَّك استمعت لحبَّرتُه لك تحبيرًا٤. أي زيَّنته لك وحسَّنته.
(١) هذا وما سيأتي من الاستدلالات جلُّها للقُشيري في «رسالته» (ص ٦٧٥ - ٦٨١). وانظر: «اللمع» للطوسي (ص ٢٧٣ - ٢٧٧) و«إحياء علوم الدين» (٢/ ٢٧٠ - ٢٧٨).
(٢) به فسَّره يحيى بن أبي كثير الطائي (من العلماء العبَّاد من صغار التابعين). أخرجه عنه الطبري في «تفسيره» (١٨/ ٤٧٢).
(٣) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (٧٥٤٤) ومسلم (٧٩٢).
(٤) كما في حديثه عند عبد الرزاق (٤١٨٧) والنسائي في «الكبرى» (٨٠٠٤) وابن حبان (٧١٩٧) والبيهقي في «السنن الكبير» (٣/ ١٢). وقد أخرجه البخاري (٥٠٤٨) ومسلم (٧٩٣) مختصرًا دون قول أبي موسى.
وبقوله ﷺ: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم»١.
وبقوله: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن»٢، والصحيح أنَّه من التغنِّي، وهو تحسين الصوت به، وبذلك فسَّره أحمد فقال: يحسِّنه بصوته ما استطاع٣.
وبأنَّ النبيَّ ﷺ أقرَّ عائشة ﵂ على غناء القَينتَين يوم العيد، وقال لأبي بكرٍ: «دعهما، فإنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا، وهذا عيدُنا أهلَ الإسلام»٤.
وبأنَّه ﷺ أذن في العُرس في الغناء وسمَّاه لهوًا٥. وقد سمع رسول الله ﷺ الحُداء وأذن فيه٦، وكان يسمع إنشاد الصحابة، وكانوا يرتجزون بين
(١) أخرجه أحمد (١٨٤٩٤) وأبو داود (١٤٦٨) والنسائي (١٠١٥) والدارمي (٣٥٤٣) وابن خزيمة (١٥٥١) وابن حبان (٧٤٩) والحاكم (١/ ٥٧١ - ٥٧٥). وقد علَّقه البخاري مبوِّبًا به في كتاب التوحيد.
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٢٧) من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد (١٤٧٦) وأبو داود (١٤٦٩) والدارمي (١٥٣١) وابن حبان (١٢٠) والحاكم (١/ ٥٦٩) وغيرهم من حديث سعد بن أبي وقاص. وانظر: «التتبُّع» (٥) و«العلل» (١٧٣٤) للدارقطني.
(٣) لم أجده، والذي في «المغني» (١٤/ ١٦٧) أنه قال: يرفع صوته به. وانظر: «مسائل صالح» (١/ ٣٦٧). وما ذكره المؤلف روي من قول التابعي الفقية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بنحوه، كما عند أبي داود (١٤٧١) وغيره.
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٣١) ومسلم (٨٩٢) من حديث عائشة.
(٥) كما في حديث عائشة عند البخاري (٥١٦٢) أنها زفَّت امرأةً إلى رجل من الأنصار فقال النبي ﷺ: «يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو».
(٦) فيه غيرحديث، كحديث أنس في قصة حادٍ كان للنبي ﷺ اسمه أنجشة. انظر: البخاري (٦٢١١) ومسلم (٢٣٢٣).