وبأنَّ ابن عمر رخَّص فيه، وعبد الله بن جعفرٍ وأهل المدينة٢.
وبأنَّ كذا وكذا وليٍّ٣ لله حضروه وسمعوه، فمن حرَّمه فقد قدح في هؤلاء السادة القدوة الأعلام٤.
وبأنَّ الإجماع منعقدٌ على إباحة أصوات الطُّيور المُطربة الشجيَّة، فملذَّة٥ سماع صوت الآدميِّ أولى بالإباحة أو مساويةٌ.
وبأنَّ السماع يحدو روحَ السامع وقلبَه إلى نحو محبوبه، فإن كان محبوبه حرامًا كان السماع مُعينًا له على الحرام، وإن كان مباحًا كان السماع في حقِّه مباحًا، وإن كانت محبَّته رحمانيَّةً كان السماع في حقِّه قربةً وطاعةً، لأنَّه يحرِّك المحبَّة الرحمانيَّة ويقوِّيها٦ ويهيِّجها.
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٤٥) والبيهقي في «السنن الكبير» (٧/ ٤٢٢) والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٥/ ٣٣٩) بإسناد غريب فيه راوٍ مجهول. قال الحافظ ابن كثير: وهذا حديث منكر جدًّا، وقال الألباني: لوائح الوضع عليه ظاهرة. انظر: «التكميل في الجرح والتعديل» (١/ ١١٨ - ١١٩) و«الضعيفة» (٤١٤٤). والبيتان من قصيدةٍ لأبي كبير في «حماسة أبي تمام» (١/ ٧٣ - ٧٤) و«ديوان الهذليين» (٢/ ٩٣، ٩٤).
(٢) كما في «اللمع» للطوسي (ص ٢٧٦ - ٢٧٧).
(٣) كذا في النسخ، والجادة النصب.
(٤) قال المكي في «قوت القلوب» (٢/ ٦١): «فإن أنكرناه (أي: السماع) مجملًا فقد أنكرنا على تسعين صادقًا من خيار الأمة»!
(٥) ع: «فلذَّة».
(٦) م، ش: «يقربها».
وبأنَّ التذاذ الأذن بالصوت الطيِّب كالتذاذ العين بالمنظر الحسن، والشمِّ بالروائح الطيِّبة، والفم بالطُّعوم الطيِّبة؛ فإن كان هذا حرامًا كانت جميع هذه اللذَّات والإدراكات محرَّمةً.
فالجواب: أنَّ هذا١ حيدةٌ عن المقصود، وروغانٌ عن محلِّ النزاع، وتعلُّقٌ بما لا تعلُّق٢ به، فإنَّ جهة كون الشيء مستلذًّا٣ للحاسَّة ملائمًا لها لا يدلُّ على إباحته ولا تحريمه، ولا كراهته ولا استحبابه، فإنَّ هذه اللذَّة تكون في الأحكام الخمسة: تكون في الحرام، والواجب، والمكروه، والمستحبِّ، والمباح؛ فكيف يَستدلُّ بها على الإباحة مَن يعرف شروط الدليل ومواقع الاستدلال؟!
وهل هذا إلَّا بمنزلة من استدلَّ على إباحة الزِّنا بما يجد به فاعلُه من اللذَّة، وأنَّ لذَّته لا ينكرها ذو طبع سليم؟ وهل يَستدلُّ بوجود اللذَّة والملاءمة على حِلِّ اللذيذ الملائم أحدٌ؟ وهل خَلَت غالبُ المحرَّمات من اللذَّات؟ وهل أصوات المعازف التي صحَّ عن النبيِّ ﷺ تحريمُها وأنَّ في أمّته من يستحلُّها بأصحِّ إسنادٍ٤، وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها، وقال جمهورهم بتحريم جملتها= إلَّا لذيذةٌ تلَذُّ٥ للسمع؟ وهل في التذاذ
(١) ع: «هذه».
(٢) ع: «متعلَّق».
(٣) ع: «ملتذًّا».
(٤) يعني: حديث البخاري (٥٥٩٠) عن أبي عامر ــ أو أبي مالك ــ الأشعري مرفوعًا: «ليكونَنَّ من أمتي أقوام يستحلُّون الحر والحرير والخمر والمعازف ...».