تعني؟ وأيَّ المسموعات تريد؟ فالسماعات والمسموعات منها المحرَّم والمكروه والمباح والواجب والمستحب، فعيِّن نوعًا يقع الكلام فيه نفيًا وإثباتًا.
فإن قلت: سماع القصائد، قيل لك: أيَّ القصائد تعني؟ ما مُدح الله به ورسولُه١ وكتابُه، وهجي به أعداؤه؟ فهذا٢ لم يزل المسلمون يروونها ويَسمعونها ويُسمعونها٣ ويتدارسونها، وهي التي سمعها رسول الله ﷺ وأصحابه وأثاب عليها، وحرَّض حسَّانَ عليها، وهي التي غرَّت أصحاب السماع الشيطانيِّ فقالوا: تلك قصائد وسماعنا قصائد! فنعم إذًا، والسُّنَّة كلامٌ والبدعة كلام، والتسبيح كلامٌ والغيبة والقذف كلام٤!
ولكن هل سمع رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ سماعكم٥ الشيطاني المشتمل على أكثر من مائة مفسدةٍ مذكورةٍ في غير هذا الموضع٦؟ وقد أشرنا فيما تقدَّم٧ إلى بعضها.
ونظير هذا: ما غرَّهم من استحسانه ﷺ الصوت الحسن بالقرآن وإذْنه فيه وأَذَنه له ومحبَّة الله له، فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النِّسوان
والمُردان وغيرهم بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد١، وذكرِ القدِّ والنَّهد والخصر، ووصف العيون وفعلها، والشعر الأسود، ومحاسن الشباب، وتوريد الخدود، وذكر الوصل والصدِّ، والتجنِّي والهجران، والعتاب والاستعطاف، والاشتياق والقلق والفراق، وما جرى هذا المجرى ممَّا هو أفسد للقلب من سُكر الخمر بما لا نسبة بينهما، وأيُّ نسبةٍ لسكر يومٍ٢ ونحوه إلى سَكرة العشق التي لا يستفيق٣ صاحبُها إلَّا في عسكر الهالكين سليبًا حريبًا٤ أسيرًا قتيلًا؟ وهل تقاس سَكرة الشراب إلى سكرة الأرواح بالسَّماع؟ وهل يُظنُّ بحكيمٍ أن يحرِّم سكرًا لمفسدةٍ فيه معلومةٍ، ويبيح سكرًا مفسدتُه أضعاف أضعاف مفسدة الشراب؟ حاشا أحكم الحاكمين.
فإن نازعوا في سكر السماع وتأثيره في العقول والأرواح خرجوا عن الذوق والحسِّ فظهرت٥ مكابرة القوم. فكيف يحمي الطبيبُ المريض عمَّا يشوِّش عليه صحَّته ويبيح له ما فيه أعظم السُّقم؟ والمنصف يعلم أنّه لا نسبة بين سقم الأرواح بسكر الشراب وسقمها بسكر السماع، وكلامنا مع واجدٍ لا فاقدٍ، فهو المقصود بالخطاب.
وأعجب من هذا: استدلالهم٦ على إباحة السماع المركَّب ممَّا ذكرنا
(١) سبق ذكر معنى الشاهد (ص ١٣٧).
(٢) ع: «لمفسدة سكرِ يومٍ».
(٣) في ع زيادة: «الدهرَ».
(٤) الحريب هو السَّليب، أي: المسلوب الذي سُلب ماله.