مدارج السالكين

بل نقول: لو كانا سواءً لكان اتِّخاذ هذا السّماع قربةً وطاعةً تُستنزَل١ به المعارف والأذواق والمواجيد وتُحَلُّ به٢ الأحوال= بمنزلة التقرُّب إلى الله بأصوات الطُّيور، ومعاذ الله أن يكونا سواءً.

والذي يفصل النِّزاع في حكم هذه المسألة ثلاثُ قواعدَ مِن أهمِّ قواعد الإيمان والسُّلوك، فمن لم يَبْنِ عليها فبناؤه على شفا جرفٍ هارٍ.

القاعدة الأولى: أنَّ الذوق والحال والوجد: هل هو حاكمٌ أو محكومٌ عليه، فيُحكم عليه٣ بحاكمٍ آخر أو يُتحاكم٤ إليه؟

فهذا منشأ ضلال من ضلَّ من المفسدين لطريق القوم الصَّحيحة، حيث جعلوه حاكمًا، فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد، وجعلوه محكًّا٥ للحقِّ والباطل، فنبذوا لذلك موجَب العلم والنُّصوص، وحكَّموا عليها الأذواق والأحوال والمواجيد، فعَظُم الأمر وتفاقم الفساد، وطَمَست معالمُ الإيمان والسُّلوك المستقيم، وانعكس السَّير، وكان إلى الله فصيَّروه إلى النُّفوس، فالنَّاس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله، وهؤلاء يعبدون نفوسهم٦.

  1. (١) في عامَّة النسخ عدا ش، ع: «مستنزل»، ولعل المثبت منهما هو الصواب.
  2. (٢) أي: تُنْزَل به. وفي الأصل، ل: «تُحك به». وفي ج، ن: «تحكمه». ولعل المثبت من م، ش أشبه.
  3. (٣) «فيحكم عليه» ساقط من ع.
  4. (٤) في النسخ عدا ع: «متحاكم»، ولعل المثبت من ع أشبه.
  5. (٥) م، ن، ع: «محكمًا».
  6. (٦) بإزاء هذه الفقرة حاشية في ل نصُّها: «... فيا غربة الإسلام في عاشر قرن».
152

والعجب١ أنَّهم دخلوا في أنواع من٢ الرِّياضات والمجاهدات والزُّهد ليتجرّدوا عن شهوات النُّفوس وحظوظها، فانتقلوا من شهواتٍ إلى شهواتٍ أكبر منها، ومن حظوظٍ إلى حظوظٍ أعظم منها، وكان حالهم في الشهوات٣ التي انتقلوا عنها أكمل، وحالُ أربابها خيرٌ٤ مِن حال هؤلاء، لأنَّهم لم يعارضوا بها العلم، ولا قدَّموها على النُّصوص، ولا جعلوها دينًا وقربةً، ولا ازدروا بها العلم وأهله. والشَّهوات التي انتقلوا إليها جعلوها أعلامًا يشمِّرون إليها، فهي قبلة قلوبهم، فهم٥ واقفون مع حظوظهم من الله، فانون بها عن مراد الله منهم؛ الناس يعبدون الله وهم يعبدون أنفسهم، عائبون٦ لأهل الحظوظ والشهوات ومزدرون بهم، وهم أعظم الناس حظوظًا، وإنّما زهدوا في حظٍّ إلى حظٍّ أعلى منه، وتركوا شهوةً لشهوةٍ٧.

فليتدبَّر اللبيب هذا الموضع في نفسه وفي غيره، فكلُّ ما خالف مراد الله الدينيَّ من العبد فهو حظُّه وشهوته، مالًا كان أو رياسةً أو صورةً، أو ذوقًا أو حالًا أو وجدًا٨.

  1. (١) ع: «ومن العجب».
  2. (٢) «من» ساقطة من ع.
  3. (٣) ع: «شهوات نفوسهم».
  4. (٤) كذا في الأصول بالرفع.
  5. (٥) في ع زيادة: «حولها عاكفون».
  6. (٦) ل: «عاتبون».
  7. (٧) ش، ن: «بشهوة».
  8. (٨) عُلِّق في ل فوق السطر: «أو ناموسًا».
153

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي