والعجب١ أنَّهم دخلوا في أنواع من٢ الرِّياضات والمجاهدات والزُّهد ليتجرّدوا عن شهوات النُّفوس وحظوظها، فانتقلوا من شهواتٍ إلى شهواتٍ أكبر منها، ومن حظوظٍ إلى حظوظٍ أعظم منها، وكان حالهم في الشهوات٣ التي انتقلوا عنها أكمل، وحالُ أربابها خيرٌ٤ مِن حال هؤلاء، لأنَّهم لم يعارضوا بها العلم، ولا قدَّموها على النُّصوص، ولا جعلوها دينًا وقربةً، ولا ازدروا بها العلم وأهله. والشَّهوات التي انتقلوا إليها جعلوها أعلامًا يشمِّرون إليها، فهي قبلة قلوبهم، فهم٥ واقفون مع حظوظهم من الله، فانون بها عن مراد الله منهم؛ الناس يعبدون الله وهم يعبدون أنفسهم، عائبون٦ لأهل الحظوظ والشهوات ومزدرون بهم، وهم أعظم الناس حظوظًا، وإنّما زهدوا في حظٍّ إلى حظٍّ أعلى منه، وتركوا شهوةً لشهوةٍ٧.
فليتدبَّر اللبيب هذا الموضع في نفسه وفي غيره، فكلُّ ما خالف مراد الله الدينيَّ من العبد فهو حظُّه وشهوته، مالًا كان أو رياسةً أو صورةً، أو ذوقًا أو حالًا أو وجدًا٨.
(١) ع: «ومن العجب».
(٢) «من» ساقطة من ع.
(٣) ع: «شهوات نفوسهم».
(٤) كذا في الأصول بالرفع.
(٥) في ع زيادة: «حولها عاكفون».
(٦) ل: «عاتبون».
(٧) ش، ن: «بشهوة».
(٨) عُلِّق في ل فوق السطر: «أو ناموسًا».
ثمَّ من قدَّمه على مراد الله فهو أسوأ حالًا ممَّن عرف أنَّه نقصٌ ومحنةٌ وأنَّ مراد الله أولى بالتقديم منه، فهو يتوب منه كلَّ وقتٍ إلى الله.
ثمّ إنَّه وقع من١ تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله، فإنَّ الأذواق مختلفةٌ في نفسها٢، كثيرة الألوان، متباينةٌ أعظم التباين، فكلُّ طائفةٍ لهم أذواقٌ وأحوالٌ ومواجيد، بحسب معتقداتهم وسلوكهم. فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوقٌ وحالٌ ووجدٌ في معتقدهم بحسبه، والنصارى لهم ذوقٌ في النصرانيَّة ووجدٌ٣ بحسب رياضتهم وعقائدهم. وكلُّ من اعتقد شيئًا وسلك٤ سلوكًا ــ حقًّا كان أو باطلًا ــ فإنَّه إذا ارتاض وتجرَّد، ولزمه٥ وتمكَّن من قلبه = بقي له فيه حالٌ وذوقٌ ووجدٌ، فبِذَوق مَن تُوزَن الحقائق إذًا ويُفْرَق٦ الحقُّ من الباطل؟
وهذا سيِّد أهل الأذواق والمواجيد والكشوف والأحوال من هذه الأُمَّة، المحدَّثُ المكاشَف٧، لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطباته في شيءٍ من
(١) ل: «في».
(٢) ع: «أنفسها».
(٣) «ووجدٌ» ساقط من ع.
(٤) ع: «أو سلك».
(٥) ع: «لزمه» بدون واو العطف، فيكون حينئذ جواب «إذا». وعليه فقد زاد الفقي في طبعته واو العطف قبل «بقي» الآتي ليستقيم السياق.
(٦) ع: «ويعرف».
(٧) يعني: عمر بن الخطاب ﵁ الذي قال عنه النبي ﷺ: «إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحدَّثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب». أخرجه البخاري (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة ﵂.