مدارج السالكين

ثمَّ من قدَّمه على مراد الله فهو أسوأ حالًا ممَّن عرف أنَّه نقصٌ ومحنةٌ وأنَّ مراد الله أولى بالتقديم منه، فهو يتوب منه كلَّ وقتٍ إلى الله.

ثمّ إنَّه وقع من١ تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله، فإنَّ الأذواق مختلفةٌ في نفسها٢، كثيرة الألوان، متباينةٌ أعظم التباين، فكلُّ طائفةٍ لهم أذواقٌ وأحوالٌ ومواجيد، بحسب معتقداتهم وسلوكهم. فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوقٌ وحالٌ ووجدٌ في معتقدهم بحسبه، والنصارى لهم ذوقٌ في النصرانيَّة ووجدٌ٣ بحسب رياضتهم وعقائدهم. وكلُّ من اعتقد شيئًا وسلك٤ سلوكًا ــ حقًّا كان أو باطلًا ــ فإنَّه إذا ارتاض وتجرَّد، ولزمه٥ وتمكَّن من قلبه = بقي له فيه حالٌ وذوقٌ ووجدٌ، فبِذَوق مَن تُوزَن الحقائق إذًا ويُفْرَق٦ الحقُّ من الباطل؟

وهذا سيِّد أهل الأذواق والمواجيد والكشوف والأحوال من هذه الأُمَّة، المحدَّثُ المكاشَف٧، لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطباته في شيءٍ من

  1. (١) ل: «في».
  2. (٢) ع: «أنفسها».
  3. (٣) «ووجدٌ» ساقط من ع.
  4. (٤) ع: «أو سلك».
  5. (٥) ع: «لزمه» بدون واو العطف، فيكون حينئذ جواب «إذا». وعليه فقد زاد الفقي في طبعته واو العطف قبل «بقي» الآتي ليستقيم السياق.
  6. (٦) ع: «ويعرف».
  7. (٧) يعني: عمر بن الخطاب ﵁ الذي قال عنه النبي ﷺ: «إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحدَّثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب». أخرجه البخاري (٣٤٦٩) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة ﵂.
154

أمور الدِّين حتَّى يَنشُد عنه الرِّجالَ والنِّساء والأعراب١، فإذا أخبروه عن رسول الله ﷺ بشيءٍ لم يلتفت إلى ذوقه ولا إلى وجده وخطابه، بل يقول: «لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره»٢، ويقول: «أيُّها الناس، رجلٌ أخطأ وامرأةٌ أصابت»٣.

فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمَّة ﵁، ليس كفعل من غشَّ نفسه والدِّين والأمَّة.

القاعدة الثانية: أنَّه إذا وقع النِّزاع في حكم فعلٍ من الأفعال، أو حالٍ من الأحوال، أو ذوقٍ من الأذواق: هل هو صحيحٌ أو فاسدٌ، وحقٌّ أو باطل= وجب الرُّجوع فيه إلى الحجَّة المقبولة عند الله وعند عباده المؤمنين،

  1. (١) أي: حتى يسألهم عن ذلك الأمر هل سمعوا فيه شيئًا عن النبي ﷺ. وفي حديث ابن عباس (الآتي تخريجه) أن عمر قام على المنبر فنشدهم قائلًا: «أذكِّر الله امرءًا سمع رسول الله ﷺ قضى في الجنين».
  2. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٣٤٣) ــ ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (٤/ ٨) والدارقطني (٣٢٠٩) والحاكم (٣/ ٥٧٥) ــ من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح. وأخرجه أيضًا الشافعي في «الأم» (٧/ ٢٦٤) بنحوه.
  3. (٣) وذلك عند ما أراد أن يضع حدًّا لأعلى ما تبلغ مهور النساء، فاحتجَّت عليه امرأة بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الآية. أخرجه الزبير بن بكَّار ــ كما في «مسند الفاروق» (٢/ ٥٠١) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٥٣٠)، وفي إسناده انقطاع. وروي بنحوه من طريق آخر عند ابن المنذر في «تفسيره» ــ كما في «تفسير ابن كثير» (النساء:٢٠) ــ ولكنه منقطع أيضًا .. وله طريق ثالث عند أبي يعلى ــ كما في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٩٨) و«المطالب العالية» (١٥٦٦) ــ والبيهقي (٧/ ٢٣٣) على خلاف في وصله وانقطاعه، وفيه أيضًا مُجالد بن سعيد، ضعيف؛ ولفظه: «اللهم غُفرًا، كلُّ الناس أفقهُ من عمر». وانظر: «العلل» للدارقطني (٢٤١) و«إرواء الغليل» (١٩٢٧).
155

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي