أمور الدِّين حتَّى يَنشُد عنه الرِّجالَ والنِّساء والأعراب١، فإذا أخبروه عن رسول الله ﷺ بشيءٍ لم يلتفت إلى ذوقه ولا إلى وجده وخطابه، بل يقول: «لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره»٢، ويقول: «أيُّها الناس، رجلٌ أخطأ وامرأةٌ أصابت»٣.
فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمَّة ﵁، ليس كفعل من غشَّ نفسه والدِّين والأمَّة.
القاعدة الثانية: أنَّه إذا وقع النِّزاع في حكم فعلٍ من الأفعال، أو حالٍ من الأحوال، أو ذوقٍ من الأذواق: هل هو صحيحٌ أو فاسدٌ، وحقٌّ أو باطل= وجب الرُّجوع فيه إلى الحجَّة المقبولة عند الله وعند عباده المؤمنين،
(١) أي: حتى يسألهم عن ذلك الأمر هل سمعوا فيه شيئًا عن النبي ﷺ. وفي حديث ابن عباس (الآتي تخريجه) أن عمر قام على المنبر فنشدهم قائلًا: «أذكِّر الله امرءًا سمع رسول الله ﷺ قضى في الجنين».
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٣٤٣) ــ ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (٤/ ٨) والدارقطني (٣٢٠٩) والحاكم (٣/ ٥٧٥) ــ من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح. وأخرجه أيضًا الشافعي في «الأم» (٧/ ٢٦٤) بنحوه.
(٣) وذلك عند ما أراد أن يضع حدًّا لأعلى ما تبلغ مهور النساء، فاحتجَّت عليه امرأة بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الآية. أخرجه الزبير بن بكَّار ــ كما في «مسند الفاروق» (٢/ ٥٠١) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٥٣٠)، وفي إسناده انقطاع. وروي بنحوه من طريق آخر عند ابن المنذر في «تفسيره» ــ كما في «تفسير ابن كثير» (النساء:٢٠) ــ ولكنه منقطع أيضًا .. وله طريق ثالث عند أبي يعلى ــ كما في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٩٨) و«المطالب العالية» (١٥٦٦) ــ والبيهقي (٧/ ٢٣٣) على خلاف في وصله وانقطاعه، وفيه أيضًا مُجالد بن سعيد، ضعيف؛ ولفظه: «اللهم غُفرًا، كلُّ الناس أفقهُ من عمر». وانظر: «العلل» للدارقطني (٢٤١) و«إرواء الغليل» (١٩٢٧).
وهو وحيه الذي تُتلقَّى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه، وتُعرَض عليه وتوزن به، فما زكَّاه منها وقبله ورجَّحه وصحَّحه فهو المقبول، وما أبطله وردَّه فهو الباطل المردود، ومن لم يَبْنِ على هذا الأصل علمَه وسلوكه١ فليس على شيءٍ وإنْ وإنْ٢، وإنَّما معه خَدْع وغرور ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ يَحْسِبُهُ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾[النور: ٣٩].
القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظر أو السالك حكمُ شيءٍ هل هو الإباحة أو التحريم، فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملًا على مفسدةٍ راجحةٍ ظاهرةٍ فإنَّه يستحيل على الشارع الأمرُ به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعيٌّ، ولاسيَّما إذا كان طريقًا مفضيًا إلى ما يبغضه٣ الله ورسوله، مُوصِلًا إليه عن قربٍ، وهو رقيةٌ له ورائدٌ وبريد، فهذا لا يشكُّ في تحريمه أولو البصائر، فكيف يُظنُّ بالحكيم الخبير أن يحرِّم مثل رأس الإبرة من المسكر لأنَّه يسوق٤ النّفس إلى المسكر٥ الذي يسوقها إلى المحرَّمات، ثمَّ يبيح ما هو أعظم سوقًا للنُّفوس إلى المحرَّم بكثيرٍ؟! فإنَّ الغناء كما قال ابن مسعودٍ ﵁ هو رقية الزِّنا٦، وقد شاهد الناس أنَّه ما
(١) في ع زيادة: «وعمله».
(٢) تكرَّر في ع ثلاث مرَّات، مع علامة التصحيح على الأخيرين.
(٣) ع: «يُغضب».
(٤) في الأصل، م: «يشوِّق»، والسياق يدل على أنه تصحيف.
(٥) م، ش، ع: «السكر».
(٦) لم أجده عن ابن مسعود. وإنما روي من قول الفُضيل بن عياض ﵀ كما في «ذم الملاهي» لابن أبي الدنيا (٥٤) ومن طريقه عند البيهقي في «شعب الإيمان» (٤٧٥٥). وإلاه نسبه المؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤) ثم نقله عن «ذم الملاهي» بإسناده.