مدارج السالكين

وهو وحيه الذي تُتلقَّى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه، وتُعرَض عليه وتوزن به، فما زكَّاه منها وقبله ورجَّحه وصحَّحه فهو المقبول، وما أبطله وردَّه فهو الباطل المردود، ومن لم يَبْنِ على هذا الأصل علمَه وسلوكه١ فليس على شيءٍ وإنْ وإنْ٢، وإنَّما معه خَدْع وغرور ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ يَحْسِبُهُ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾ [النور: ٣٩].

القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظر أو السالك حكمُ شيءٍ هل هو الإباحة أو التحريم، فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملًا على مفسدةٍ راجحةٍ ظاهرةٍ فإنَّه يستحيل على الشارع الأمرُ به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعيٌّ، ولاسيَّما إذا كان طريقًا مفضيًا إلى ما يبغضه٣ الله ورسوله، مُوصِلًا إليه عن قربٍ، وهو رقيةٌ له ورائدٌ وبريد، فهذا لا يشكُّ في تحريمه أولو البصائر، فكيف يُظنُّ بالحكيم الخبير أن يحرِّم مثل رأس الإبرة من المسكر لأنَّه يسوق٤ النّفس إلى المسكر٥ الذي يسوقها إلى المحرَّمات، ثمَّ يبيح ما هو أعظم سوقًا للنُّفوس إلى المحرَّم بكثيرٍ؟! فإنَّ الغناء كما قال ابن مسعودٍ ﵁ هو رقية الزِّنا٦، وقد شاهد الناس أنَّه ما

  1. (١) في ع زيادة: «وعمله».
  2. (٢) تكرَّر في ع ثلاث مرَّات، مع علامة التصحيح على الأخيرين.
  3. (٣) ع: «يُغضب».
  4. (٤) في الأصل، م: «يشوِّق»، والسياق يدل على أنه تصحيف.
  5. (٥) م، ش، ع: «السكر».
  6. (٦) لم أجده عن ابن مسعود. وإنما روي من قول الفُضيل بن عياض ﵀ كما في «ذم الملاهي» لابن أبي الدنيا (٥٤) ومن طريقه عند البيهقي في «شعب الإيمان» (٤٧٥٥). وإلاه نسبه المؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤) ثم نقله عن «ذم الملاهي» بإسناده.
156

عاناه صبيٌّ إلَّا وفسد، ولا امرأةٌ إلَّا وبغت، ولا شابٌّ إلَّا وإلَّا، ولا شيخٌ إلَّا وإلَّا، والعِيان من ذلك يغني عن البرهان، ولاسيَّما إذا جمع هيئةً تحدو النُّفوس أعظمَ حدوٍ إلى المعصية والفجور، بأن يكون على الوجه الذي ينبغي من المكان والإمكان، والعُشراء والإخوان، وآلات المعازف من اليَراع والدُّفِّ والأوتار والعيدان، وكان القوَّالُ١ شاديًا شجيَّ الصوت لطيفَ الشمائل من المردان أو النِّسوان، وكان القول في العشق والوصال والصّدِّ والهجران.

ودارت كؤوس الهوى بينهمفلست ترى فيهم صاحيا
فكلٌّ على قدر مشروبهوكلٌّ أجاب الهوى الدَّاعيا
فمالوا سُكارى ولا سُكر مِنتناول أمِّ الهوى خاليا
وجارٍ على القوم ساقيهمُولم يؤثروا غيره ساقيا
فمزَّق منهم قلوبًا غَدَتْلباسًا عليه يرى ضافيا
فلم يستفيقوا إلى أن أتىإليهم منادي اللِّقا داعيا
أجيبوا فكلُّ امرئٍ منكمُعلى حاله ربَّه لاقيا
هنالك تعلم مِن حمأةٍشربتَ مع القوم أم صافيا
وتاللهِ لا بدَّ قبل اللِّقاءِ تعلم ذا إن تكن واعيا
فلا بدَّ تصحو فإمَّا هناوإمَّا هناك فكن راضيا٢
  1. (١) القوَّال هو المُسْمِع المُنشد في السماع الصوفي.
  2. (٢) الظاهر أن الأبيات من نظم المؤلف.
157

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي