مدارج السالكين

عاناه صبيٌّ إلَّا وفسد، ولا امرأةٌ إلَّا وبغت، ولا شابٌّ إلَّا وإلَّا، ولا شيخٌ إلَّا وإلَّا، والعِيان من ذلك يغني عن البرهان، ولاسيَّما إذا جمع هيئةً تحدو النُّفوس أعظمَ حدوٍ إلى المعصية والفجور، بأن يكون على الوجه الذي ينبغي من المكان والإمكان، والعُشراء والإخوان، وآلات المعازف من اليَراع والدُّفِّ والأوتار والعيدان، وكان القوَّالُ١ شاديًا شجيَّ الصوت لطيفَ الشمائل من المردان أو النِّسوان، وكان القول في العشق والوصال والصّدِّ والهجران.

ودارت كؤوس الهوى بينهمفلست ترى فيهم صاحيا
فكلٌّ على قدر مشروبهوكلٌّ أجاب الهوى الدَّاعيا
فمالوا سُكارى ولا سُكر مِنتناول أمِّ الهوى خاليا
وجارٍ على القوم ساقيهمُولم يؤثروا غيره ساقيا
فمزَّق منهم قلوبًا غَدَتْلباسًا عليه يرى ضافيا
فلم يستفيقوا إلى أن أتىإليهم منادي اللِّقا داعيا
أجيبوا فكلُّ امرئٍ منكمُعلى حاله ربَّه لاقيا
هنالك تعلم مِن حمأةٍشربتَ مع القوم أم صافيا
وتاللهِ لا بدَّ قبل اللِّقاءِ تعلم ذا إن تكن واعيا
فلا بدَّ تصحو فإمَّا هناوإمَّا هناك فكن راضيا٢
  1. (١) القوَّال هو المُسْمِع المُنشد في السماع الصوفي.
  2. (٢) الظاهر أن الأبيات من نظم المؤلف.
157

فصل

وإذا لم يكن بدٌّ من المحاكمة إلى الذوق فهلُمَّ نحاكمك إلى ذوقٍ لا ننكره نحن ولا أنت، غير هذه الأذواق التي ذكرناها.

فالقلب تعرض له حالتان: حالة حزنٍ وأسفٍ على مفقودٍ، وحالةُ فرحٍ وطَرَبٍ بموجودٍ، وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديَّتان. فله بمقتضى الحالة الأولى: عبوديَّة الرِّضاء وهي للسابقين، والصَّبر وهي لأصحاب اليمين. وله بمقتضى الحالة الثانية عبودية الشُّكر، والشاكرون فيها أيضًا نوعان: سابقون، وأصحاب يمينٍ. فاقتطعَتْه النفس والشيطان عن هاتين العبوديَّتين بصوتين أحمقين فاجرين، هما للشيطان لا للرحمن: صوت النَّدب والنِّياحة عند الحزن وفوات المحبوب، وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب، فعوَّضه الشيطان بهذين الصَّوتين عن تلك العبوديَّتين.

وقد أشار النّبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنسٍ ﵁: «إنَّما نُهِيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت ويلٍ عند مصيبةٍ، وصوت مزمارٍ عند نعمة»١.

  1. (١) أخرجه الترمذي (١٠٠٥) وابن أبي شيبة (١٢٢٥١) والبزار (١٠٠١) والحاكم (٤/ ٤٠) والبيهقي (٤/ ٦٩) من حديث ابن أبي ليلي عن عطاء عن جابر، وفي رواية الحاكم: عن جابر عن عبد الرحمن بن عوف. إسناده ضعيف من أجل ابن أبي ليلى، ثم إنه قد اضطَرب فيه كما في «العلل» للدارقطني (٢٨٨٧)، إلا أن الترمذي حسَّنه، ولعله لاعتضاده بحديث أنس مرفوعًا: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة ورنَّة عند مصيبة». أخرجه البزار (٧٥١٣) والضياء في «المختارة» (٦/ ١٨٨، ١٨٩) وغيرهما بإسناد فيه لين. وانظر: «الصحيحة» (٤٢٧).
158

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي