مدارج السالكين

عليهم مِن أولياء الله من هو أكثر منهم عددًا، وأعظم عند الله وعند المؤمنين منهم قدرًا، وأقرب بالقرون المفضَّلة عهدًا، وليس من شرط وليِّ الله العصمة. وقد تقاتل أولياء الله في صفِّين بالسُّيوف، ولمَّا سار بعضهم إلى بعضٍ كان يقال: سار أهل الجنَّة إلى أهل الجنَّة١.

وكون وليِّ الله يرتكب المحظور والمكروه متأوِّلًا أو عاصيًا لا يمنع ذلك الإنكارَ عليه، ولا يُخرجه عن أصل ولاية الله تعالى، وهيهات هيهات أن يكون أحدٌ من أولياء الله المتقدِّمين حضر هذا السماع المُحدَث المشتملَ على هذه الهيئة التي تفتن القلوب أعظمَ من فتنة المشروب، حاشا أولياء الله من ذلك!

وإنَّما السماع الذي اختلف فيه مشايخُ القوم: اجتماعهم في مكانٍ خالٍ من الأغيار يذكرون الله ويتلون شيئًا من القرآن، ثمَّ يقوم بينهم قوَّالٌ ينشدهم شيئًا من الأشعار المزهِّدة في الدُّنيا، المرغِّبة في لقاء الله تعالى ومحبَّته وخوفه ورجائه والدار الآخرة، وينبِّههم٢ على بعض أحوالهم من غدرةٍ أو غفلة، أو بُعدٍ أو انقطاع، أو تأسُّفٍ على فائت، أو تداركٍ لفارط، أو وفاءٍ بعهد، أو تصديقٍ بوعد، أو ذكر قلقٍ وشوقٍ، أو خوفِ فُرقةٍ أو صدٍّ، أو ما جرى هذا المجرى.

فهذا السّماع الذي اختلف فيه القوم، لا سماع المُكاء والتَّصدية والمعازف، والخُماريَّات٣ وعشق الصُّور من المردان والنِّسوان، وذكر

  1. (١) لم أقف عليه.
  2. (٢) ش: «ينبئهم»، تصحيف.
  3. (٣) أي: الأشعار التي قيلت في وصف «الخُمار»، وهو السُّكْر والنَّشوة. وتسمَّى «الخمريات» أيضًا.
161

محاسنها ووصالها وهجرانها، فهذا لو سئل عنه من سئل من أولي العقول لقضى بتحريمه، وعلم أنَّ الشرع لا يأتي بإباحته، وأنّه ليس على النّاس أضرُّ منه، ولا أفسدُ لعقولهم وقلوبهم وأديانهم وأموالهم وأولادهم وحريمهم١.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٢: (السماع على ثلاث درجاتٍ: سماع العامّة، وهو ثلاثة أشياء: إجابة زجر الوعيد رغبةً٣، وإجابة دعوة الوعد جُهدًا، وبلوغ مشاهدة المنَّة استبصارًا).

الوعيد يكون على ترك المأمور وفعل المحظور، فإجابةُ داعيه هو العمل بالطاعة.

وقوله: (رغبةً)، يعني: امتثالًا لكون الله ﷿ أمر ونهى وأوعد. وحقيقة الرغبة: الخوف والرجاء، فيفعل٤ ما أُمر به على نور الإيمان راجيًا للثواب، ويترك٥ ما نُهي عنه على نور الإيمان خائفًا من العقاب.

  1. (١) في ع زيادة: «منه».
  2. (٢) (ص ١٨).
  3. (٣) كذا عند المؤلف تبعًا لـ «شرح التلمساني» (ص ١١٣، ١١٤). والذي في مطبوعة «المنازل»: «رِعةً»، وعليه شرحه القاساني (ص ٩٤) فقال: «أي: ورعًا واتقاءً مما نُهي عنه».
  4. (٤) ش، ج، ن: «بفعل». والظاهر أنه كان كذا في الأصل ثم أُصلح.
  5. (٥) الأصل، ش، ج، ن: «بترك».
162

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي