مدارج السالكين

والوقوف على الغاية في كلِّ حينٍ١، والخلاص من التّلذُّذ بالتّفرُّق).

المقصود في كلِّ حقٍّ٢ هو الربُّ٣ ﵎، فإنَّ المسموع كلَّه يعرِّف به وبصفاته وأسمائه، وأفعاله وأحكامه، ووعده ووعيده، وأمره ونهيه، وعدله وفضله. وهذا الشُّهود يُنال بالسماع بالله، ولله، وفي الله، ومِن الله٤.

أمَّا السماع به: فأن لا يسمع وفيه بقيَّةٌ من نفسه، فإن كانت فيه بقيَّةٌ قطعها كمالُ٥ تعلُّقه بالمسموع، فيكون سماعه بقيُّوميَّته مجرَّدًا٦ من التفاته إلى نفسه.

وأمَّا السماع له: فأن يجرِّد النفس في السماع من كلِّ إرادةٍ تزاحم مرادَ الله منه، وبجمعِ قوى سمعِه يحصِّل٧ مرادَ الله من المسموع.

وأمَّا السماع فيه: فشأنٌ آخر، وهو تجريد ما لا يليق نسبته إلى الحقِّ من وصفٍ أو سمةٍ أو نعتٍ أو فعلٍ ممَّا هو لائقٌ بكماله، فيثبت له ما يليق بكماله

  1. (١) غُيِّر في ل إلى: «حِسّ»، وهو كذلك في مطبوعة «المنازل». وفي «شرح القاساني» (ص ٩٦): «همس»، وهو بمعناه. والمثبت من سائر النسخ يوافق ما في «شرح التلمساني» (ص ١١٥، ١١٦).
  2. (٢) غُيِّر في ل إلى: «رمز». وفي ع: «زمن».
  3. (٣) في جميع النسخ عدا ع: «للربِّ»، ولعل المثبت أشبه.
  4. (٤) قارن بـ «شرح التلمساني» (ص ١١٥)، فإن المؤلف استقى منه هذه التعلُّقات، إلا أن تفسيره الآتي لها يختلف عن تفسيره.
  5. (٥) م، ج، ن: «حال»، وكذا كان في سائر النسخ عدا ع ثم أُصلح.
  6. (٦) ل: «متجرِّدًا».
  7. (٧) ع: «ويجمعَ قوى سمعه على تحصيل».
165

من المسموع وينزِّهه عمَّا لا يليق به.

وهذا الموضع لم يتخلَّص فيه إلا الراسخون في العلم والمعرفة بالله، وأضلَّ الله عنه أهلَ التحريف والتعطيل، وأهلَ التشبيه والتمثيل، و﴿هَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].

وأمَّا السماع منه: فإنَّما يتصوَّر بواسطةٍ، فهو سماعٌ مقيَّدٌ. وأمَّا المطلق فلا مطمع فيه في عالم الفناء، إلَّا لمن اختصَّه الله برسالاته وبكلامه، ولكنَّ السماع لكلامه كالسماع منه، فإنَّه كلامه الذي تكلَّم به حقًّا، فمن سمعه فليقدِّر نفسه كأنَّه يسمعه من الله.

هذا هو السماع من الله، لا سماع أربابِ الخيال ودعوى المحال، القائلِ أحدُهم: ناداني في سرِّي، وخاطبني، وقال لي. يا ليت شعري مَن المنادي لك ومَن المخاطِبُ، يا مخدوعُ يا مغرور؟ فما يدريك أنِداءٌ شيطاني أم رحماني؟ وما البرهان على أنَّ المخاطِب لك هو الرحمن؟

نعم، نحن لا ننكر النِّداء والخطاب والحديث، وإنَّما الشأن في المنادي المخاطِب المحدِّث، فهاهنا تسكب العبرات.

وبالجملة فمن قرئ عليه القرآن فليقدِّر نفسَه كأنَّما١ يسمعه من الله يخاطبه به، فإذا حصل له مع ذلك السماع به، وله، وفيه = ازدحمت معاني المسموع ولطائفُه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيِّها يبدأ، فما شئتَ مِن علمٍ وحِكَم، وتعرُّفٍ وبصيرة، وهدايةٍ وعِبرة.

  1. (١) م: «كأنه».
166

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي