أحدهما: الشُّبه التي تنتفي بهذه المكافحة، فلا يبقى معها شبهةٌ. وهذا١ هو عين اليقين.
والثاني: نفي الوسائط بين السامع والمسموع، فيغيب بمسموعه عنها ويفنى عن شهودها، ويفنى عن شهود فنائه عنها، بحيث يشهده هو المُسْمِع لا الواسطة، وهو البادي، فمنه الإسماع ومنه الهداية، ومنه الابتداء وإليه الانتهاء.
وأمّا وصله الأبد إلى الأزل، فهذا إن أُخذ على ظاهره فهو محالٌ، لأنَّ الأبد والأزل متقابلان تقابلَ التناقُض، فاتصال أحدهما بالآخر عين المحال، وإنَّما مراده أنَّ ما يكون في الأبد موجودًا مشهودًا فقد كان في الأزل معلومًا مقدَّرًا، فعاد حكم الأبد إلى الأزل علمًا وحقيقةً، وصار الأَزليُّ أبديًّا، كما كان الأبديُّ أزليًّا في العلم والحُكم.
وإيضاح ذلك: أنَّ الأبد ظهر فيه ما كان في٢ الأزل خافيًا، فانتهى الأمر كلُّه إلى علمه وحكمه وحكمته، وذلك أزليٌّ. وهذا هو ردُّ النِّهايات إلى الأوَّل، فتصير الخاتمة هي عين السابقة، والله تعالى هو الأوَّل والآخِر، وكلُّ ما كان ويكون آخرًا فمردودٌ إلى سابق علمه وحكمه، فرجع الأبد إلى الأزل والنِّهاياتُ إلى الأوَّل، والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) ع: «فهذا».
(٢) كذا في ج، ن. وفي ع: «ما كان كامنًا في». وفي الأصل، م، ش: «ما كان ما في». ولكن «ما» الثانية غير محررة في الأصل، وكأنه غُيِّر فيها لتصبح: «ينا»، فصار السياق: «ما كان ينافي»، وعليه جاء النص في ل. وهذا التصحيف يُفسد المعنى، ولذا علَّق عليه بعضهم في ل بقوله: «ما كان معلومًا فلا منافاة ...» إلخ.
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الحزن، وليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بدَّ للسالك من نزولها.
ولم يأت الحزنُ في القرآن إلَّا منهيًّا عنه أو منفيًّا، فالمنهيُّ١ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾[آل عمران: ١٣٩]، وقولِه: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ في غير موضعٍ٢، وقولِه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾[التوبة: ٤٠]، والمنفيُّ كقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس: ٦٢].
وسرُّ ذلك أنّ الحزن مُوقِّفٌ غير مُسيِّرٍ، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحبُّ شيءٍ إلى الشيطان أن يَحزُن العبدَ ليقطعه عن سيره ويَقِفه٣ عن سلوكه، قال تعالى: ﴿النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ﴾[المجادلة: ١٠]. ونهى النبيُّ ﷺ الثلاثة أن يتناجى اثنانِ منهم دون الثالث لأنَّ ذلك يحزنه٤.
فالحزن ليس بمطلوبٍ ولا مقصود، ولا فيه فائدة. وقد استعاذ منه النبيُّ ﷺ فقال: «اللهمّ إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحزن»٥، فهو قرين الهمِّ، والفرق
(١) في الأصل وغيره: «فالنهي»، ولعل المثبت من ع أشبه.
(٢) جاء ذلك في الحجر: ٨٨، والنحل: ١٢٧، والنمل: ٧٠.
(٣) ع: «يوقفه».
(٤) أخرجه مسلم (٢١٨٤) من حديث ابن مسعود. وأخرجه البخاري (٦٢٨٨) ومسلم (٢١٨٣) من حديث ابن عمر مختصرًا دون ذكر علة النهي.