مدارج السالكين

وأمّا (تضييع الأيام)، فنوعان أيضًا: تضييعها بخلوِّها عن الطاعات، وتضييعها بخلوِّها عن مواجيد الإيمان وذوقِ١ حلاوته، والأنسِ بالله وحسنِ الصُّحبة معه.

فكلُّ واحدٍ من الثلاثة نوعان: لأهل البداية، وللسالكين المتوسِّطين. وكلامه يعمُّ النوعين، وإن كان بالثاني أخصَّ.

(الدرجة الثانية: حزن أهل الإرادة، وهو حزنٌ على تعلُّق القلب بالتفرقة، وعلى اشتغال النفس عن الشُّهود، وعلى التسلِّي عن الحزن)٢.

تعلُّق القلب بالتفرقة هو عدم الجمعيَّة في الحضور مع الله، وتشتُّت الخواطر في أودية المرادات.

وأمّا (اشتغال النّفس عن الشُّهود)، فهو نوعان: اشتغالها عن الذِّكر الذي يوجب الشُّهود ويثمره بغيره. والثاني: اشتغالها به عن الشُّهود لضعف الذِّكر، أو لضعف القلب عن الشُّهود، أو لمانعٍ آخر. ولكن إذا قهر الشُّهودُ النفسَ لم تتمكَّن من التشاغل عنه، إلا بقاهرٍ يقهرها عنه.

وأمّا (التسلِّي عن الحزن)، يعني أنَّ وجود الحزن في القلب دليلٌ على الإرادة والطلب، ففقده والتسلِّي عنه نقصٌ، فيحزن على فقد الحزن، كما يبكي على فقد البكاء، ويخاف من عدم الخوف.

وهذا فيه نظر، وإنما يُحمَد الحزن على فقد الحزن إذا اشتغل بفرح

  1. (١) في جميع النسخ عدا ع: «وذلك»، ولعل المثبت من ع أشبه.
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ١٩).
174

مذموم١. أمَّا إذا اشتغل عن الحزن بفرحٍ محمودٍ، وهو الفرح بفضل الله ورحمته، فلا معنى للحزن على فوات الحزن.

قال٢: (وليست الخاصَّة من مقام الحزن في شيءٍ، لأنَّ الحزن فقدٌ، والخاصَّة أهل وجدانٍ).

وهذا إن أراد به أنّه لا ينبغي لهم تعمُّد الحزن فصحيحٌ، وإن أراد أنه لا يعرض لهم حزنٌ فليس كذلك، والحزن من لوازم الطبيعة، ولكنه ليس٣ بمقامٍ.

قال٤: (الدرجة الثالثة من الحزن: التحزُّن للمعارضات دون الخواطر، ومعارضات القصود، واعتراضات الأحكام).

هذه ثلاثة أمورٍ بحسب الشُّهود والإرادة.

الأولى: حزن المعارضات، فإنَّ القلب يعترضه وارد الرجاء ــ مثلًا ــ فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف، وبالعكس، ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض، ويَرِد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة، فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنًا لا محالة.

  1. (١) «إذا اشتغل بفرح مذموم» سقط من النسخة التي قوبلت عليها ع، ولذا أشير فيها إلى الضرب عليه.
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ٢٠) إلى قوله: «في شيء». وما بعده فمن كلام التلمساني في «شرحه» (ص ١٢٠).
  3. (٣) في ع زيادة: «هو».
  4. (٤) «منازل السائرين» (ص ٢٠)، ولفظه: «ولكن الدرجة الثالثة ...». وكذا في ل. وفي الأصل كتبت: «لكن» ثم وضع عليها علامة الحذف (حـ).
175

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي