مدارج السالكين

مذموم١. أمَّا إذا اشتغل عن الحزن بفرحٍ محمودٍ، وهو الفرح بفضل الله ورحمته، فلا معنى للحزن على فوات الحزن.

قال٢: (وليست الخاصَّة من مقام الحزن في شيءٍ، لأنَّ الحزن فقدٌ، والخاصَّة أهل وجدانٍ).

وهذا إن أراد به أنّه لا ينبغي لهم تعمُّد الحزن فصحيحٌ، وإن أراد أنه لا يعرض لهم حزنٌ فليس كذلك، والحزن من لوازم الطبيعة، ولكنه ليس٣ بمقامٍ.

قال٤: (الدرجة الثالثة من الحزن: التحزُّن للمعارضات دون الخواطر، ومعارضات القصود، واعتراضات الأحكام).

هذه ثلاثة أمورٍ بحسب الشُّهود والإرادة.

الأولى: حزن المعارضات، فإنَّ القلب يعترضه وارد الرجاء ــ مثلًا ــ فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف، وبالعكس، ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض، ويَرِد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة، فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنًا لا محالة.

  1. (١) «إذا اشتغل بفرح مذموم» سقط من النسخة التي قوبلت عليها ع، ولذا أشير فيها إلى الضرب عليه.
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ٢٠) إلى قوله: «في شيء». وما بعده فمن كلام التلمساني في «شرحه» (ص ١٢٠).
  3. (٣) في ع زيادة: «هو».
  4. (٤) «منازل السائرين» (ص ٢٠)، ولفظه: «ولكن الدرجة الثالثة ...». وكذا في ل. وفي الأصل كتبت: «لكن» ثم وضع عليها علامة الحذف (حـ).
175

وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر، بل من قبيل الواردات الإلهيَّة، فلذلك قال: (دون الخواطر)، فإنَّ معارضات الخواطر غير هذا.

وعند القوم هذا من آثار الأسماء والصِّفات، واتِّصال أشعَّة أنوارها بالقلب، وهو المسمَّى عندهم بالتجلِّي.

وأمّا (معارضاتُ القصود)، فهو أصعب ما على القوم، وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوقَ كلِّ ضرورةٍ، فإنَّ الصادق يتحرَّى في سلوكه كلِّه أحبَّ الطُّرق إلى الله، فإنّه سالكٌ به وإليه، فيعترضه طريقان لا يدري أيُّهما أرضى لله وأحبُّ إليه، فمنهم من يحكِّم العلم بجهده استدلالًا، فإن عجز فتقليدًا، فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يَحكم له به القدرُ ويُخلي باطنه من المقاصد جملةً. ومنهم من يُلقي الكلَّ على شيخه إن كان له شيخٌ. ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة والدُّعاء، ثمَّ ينتظر ما يجري به القدر.

وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علمًا ومعرفةً، فإن أعجزهم قنعوا بالظنِّ الغالب، فإن تساوى عندهم الأمران، قدَّموا أرجحهما مصلحةً. ولترجيح المصالح رتبٌ متفاوتةٌ، فتارةً تترجَّح بعموم النفع، وتارةً تترجَّح بزيادة الإيمان، وتارةً تترجَّح بمخالفة النفس، وتارةً تترجَّح باستجلاب مصلحةٍ أخرى بها لا تحصل من غيرها، وتارةً تترجَّح بأمنها من الخوف من مفسدةٍ لا تؤمَن في غيرها. فهذه خمس جهاتٍ من التّرجيح، قلَّ أن تُعدَم واحدةٌ منها.

فإن أعوزه ذلك كلُّه تخلَّى عن الخواطر جملةً، وانتظر ما يحرِّكه به محرِّك القدر، وافتقر إلى ربِّه افتقار مستنزلٍ ما يرضيه ويحبُّه، فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارًا ثانيًا خشيةَ أن تكون تلك الحركة نفسيةً

176

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي