مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الخوف، وهي من أجلِّ منازلها وأنفعها للقلب.

وهو فرضٌ على كلِّ أحدٍ، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾١ [البقرة: ٤١]، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤].

ومدح أهله في كتابه وأثنى عليهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ٥٧ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ٥٨ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ٥٩ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ٦٠ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].

وفي «المسند» والترمذي٢ عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: «لا يا ابنة الصِّدِّيق، ولكنَّه الرجل يصوم ويصلِّي ويتصدَّق، ويخاف أن لا يقبل منه».

  1. (١) كذا في النسخ، ولعله سبق قلم والمقصود قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
  2. (٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٥٧٠٥) والترمذي (٣١٧٥) وابن ماجه (٤١٩٨) والحاكم (٢/ ٣٩٣) من طريق عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن عائشة. وهو مرسل، فإن عبد الرحمن بن سعيد لم يلقَ عائشة كما قال أبو حاتم في «المراسيل» لابنه (١٢٧). وله طرق أخرى لكنها معلولة. انظر: «العلل» للدارقطني (٢٢١٦، ٣٦٧٥) و«أنيس الساري» (٤٢٣٢).
179

قال الحسن ﵁: عملوا واللهِ١ بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُردَّ عليهم؛ إنَّ المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً، والمنافق جمع إساءةً وأمنًا٢.

و«الوجل» و«الخوف» و«الخشية» و«الرهبة» ألفاظ متقاربة غير مترادفة.

قال أبو القاسم الجنيد ﵁: الخوف توقُّع العقوبة على مجاري الأنفاس٣.

وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكُّر المخوف.

وقيل: الخوف قوَّة العلم بمجاري الأحكام٤. وهذا سبب الخوف، لا أنّه نفسه.

وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره.

والخشية أخصُّ من الخوف، فإنَّ الخشية للعلماء بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فهي خوفٌ مقرونٌ بمعرفة، وقال النبيُّ ﷺ: «إنِّي أتقاكم لله وأشدُّكم له خشيةً»٥.

  1. (١) كذا في النسخ، والذي في مطبوعة «معالم التنزيل»: «لله».
  2. (٢) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (٥/ ٤٢١). والفقرة الأخيرة منه أخرجها الحسين بن الحسن المروزي في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (٩٨٥) والطبري في «تفسيره» (١٧/ ٦٨).
  3. (٣) أسنده القشيري (ص ٣٥٢).
  4. (٤) ذكره القشيري (ص ٣٥٢).
  5. (٥) أخرجه مسلم (١١٠٨) من حديث عمر بن أبي سلمة بنحوه.
180

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي