مدارج السالكين

قال الحسن ﵁: عملوا واللهِ١ بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُردَّ عليهم؛ إنَّ المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً، والمنافق جمع إساءةً وأمنًا٢.

و«الوجل» و«الخوف» و«الخشية» و«الرهبة» ألفاظ متقاربة غير مترادفة.

قال أبو القاسم الجنيد ﵁: الخوف توقُّع العقوبة على مجاري الأنفاس٣.

وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكُّر المخوف.

وقيل: الخوف قوَّة العلم بمجاري الأحكام٤. وهذا سبب الخوف، لا أنّه نفسه.

وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره.

والخشية أخصُّ من الخوف، فإنَّ الخشية للعلماء بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فهي خوفٌ مقرونٌ بمعرفة، وقال النبيُّ ﷺ: «إنِّي أتقاكم لله وأشدُّكم له خشيةً»٥.

  1. (١) كذا في النسخ، والذي في مطبوعة «معالم التنزيل»: «لله».
  2. (٢) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (٥/ ٤٢١). والفقرة الأخيرة منه أخرجها الحسين بن الحسن المروزي في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (٩٨٥) والطبري في «تفسيره» (١٧/ ٦٨).
  3. (٣) أسنده القشيري (ص ٣٥٢).
  4. (٤) ذكره القشيري (ص ٣٥٢).
  5. (٥) أخرجه مسلم (١١٠٨) من حديث عمر بن أبي سلمة بنحوه.
180

فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون؛ فإنَّ الذي يرى العدوَّ والسَّيل ونحو ذلك له حالتان:

إحداهما: حركته للهرب منه، وهي حالة الخوف.

والثانية: سكونه وقراره في مكانٍ لا يصل إليه، وهي الخشية. ومنه: انخشَّ الشيءُ١، والمضاعف والمعتلُّ أخوان، كتقضَّى البازيُّ وتقضَّض.

وأمّا الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضدُّ الرَّغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. وبين الرَّهب والهرب تناسبٌ في اللفظ والمعنى، يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنًى جامعٍ.

وأمّا الوجل فرَجَفان القلب وانصداعُه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته، أو لرؤيته.

وأمّا الهيبة فخوفٌ مقارنٌ للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة والمحبة. والإجلال: تعظيمٌ مقرونٌ بالحبِّ.

فالخوف لعامَّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبِّين، والإجلال للمقرَّبين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال ﷺ: «إنِّي لأعلمكم بالله وأشدُّكم له خشيةً٢»٣، وقال: «لو تعلمون ما

  1. (١) أي: دخل واستتر.
  2. (٢) في النسخ عدا ع: «خوفًا»، والمثبت جاء في هامش الأصل ول مصححًا عليه، وهو لفظ الحديث. وزاد في ع بعده: «وفي رواية: خوفًا».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦١٠١) ومسلم (٢٣٥٦) من حديث عائشة بنحوه.
181

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي