مدارج السالكين

فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون؛ فإنَّ الذي يرى العدوَّ والسَّيل ونحو ذلك له حالتان:

إحداهما: حركته للهرب منه، وهي حالة الخوف.

والثانية: سكونه وقراره في مكانٍ لا يصل إليه، وهي الخشية. ومنه: انخشَّ الشيءُ١، والمضاعف والمعتلُّ أخوان، كتقضَّى البازيُّ وتقضَّض.

وأمّا الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضدُّ الرَّغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. وبين الرَّهب والهرب تناسبٌ في اللفظ والمعنى، يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنًى جامعٍ.

وأمّا الوجل فرَجَفان القلب وانصداعُه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته، أو لرؤيته.

وأمّا الهيبة فخوفٌ مقارنٌ للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة والمحبة. والإجلال: تعظيمٌ مقرونٌ بالحبِّ.

فالخوف لعامَّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبِّين، والإجلال للمقرَّبين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال ﷺ: «إنِّي لأعلمكم بالله وأشدُّكم له خشيةً٢»٣، وقال: «لو تعلمون ما

  1. (١) أي: دخل واستتر.
  2. (٢) في النسخ عدا ع: «خوفًا»، والمثبت جاء في هامش الأصل ول مصححًا عليه، وهو لفظ الحديث. وزاد في ع بعده: «وفي رواية: خوفًا».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦١٠١) ومسلم (٢٣٥٦) من حديث عائشة بنحوه.
181

أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذَّذتم بالنِّساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله تعالى»١.

فصاحب الخوف يلتجئ إلى الهرب والإمساك، وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالعلم، ومَثَلُهما مثل من لا علم له بالطِّبِّ ومَثَل الطبيب الحاذق، فالأوَّل يلتجئ إلى الحِمْية والهرب، والطبيب يلتجئ إلى معرفته بالأدوية والأدواء.

قال أبو حفصٍ٢: الخوف سوط الله يقوِّم به الشّارد٣ عن بابه، وقال: الخوف سراجٌ في القلب، به يُبصر ما فيه من الخير والشرِّ٤.

وكلُّ أحدٍ إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى، فإنك إذ خفتَه هربتَ إليه، فالخائف هاربٌ من ربِّه إلى ربِّه.

قال أبو سليمان ﵀٥: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب.

  1. (١) أخرجه أحمد (٢١٥١٦) والترمذي وقال: حسن غريب (٢٣١٢) وابن ماجه (٤١٩٠) والحاكم (٢/ ٥١٠) من حديث مورِّق العجلي عن أبي ذر ﵁. وفي إسناده لين، وهو أيضًا مرسل لأن مورِّقًا لم يسمع أبا ذر. وله طريق آخر متصل عند أحمد في «الزهد» (ص ١٨٢) إلا أن فيه رجلًا مبهمًا. وأصله في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وأنس وعائشة إلى قوله: «ولبكيتم كثيرًا».
  2. (٢) النيسابوري الحدَّاد، اختلف في اسمه، فقيل: عمر بن سلم، وقيل: عمرو بن سلمة، وقيل غير ذلك. وهو أول من أظهر طريقة التصوف بنيسابور. توفي سنة ٢٦٤. انظر: «القشيرية» (ص ١٤٣) و«سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٥١٠).
  3. (٣) ع: «الشاردين».
  4. (٤) القولان أسندهما القشيري (ص ٣٤٩، ٣٥٠).
  5. (٥) الداراني، أسنده عنه القشيري (ص ٣٥٢).
182

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي