به. وله متعلَّقان، أحدهما: نفس المكروه المحذورِ وقوعُه، والثاني: السبب والطريق المفضي إليه؛ فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المَخُوف وبقدر المخوف يكون خوفُه. وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه، فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا لم يخَفْ من ذلك السبب، ومن اعتقد أنَّه يفضي إلى مكروهٍ ما ولم يعرف قدرَه لم يخَفْ منه ذلك الخوف، فإذا عرف قدر المَخُوف وتيقَّن إفضاءَ السبب حصل له الخوف. هذا معنى تولُّده من تصديق الوعيد وذِكر الجناية ومراقبة العاقبة.
وفي مراقبة العاقبة زيادةُ استحضار المخوف وجعلُه نُصْبَ عينه بحيث لا ينساه، فإنَّه وإن كان عالمًا به لكنَّ نسيانَه وعدمَ مراقبته يحول بين القلب١ وبين الخوف، فلذلك كان الخوف علامة صحَّة الإيمان، وترحُّلُه من القلب علامة ترحُّل الإيمان منه.
فصل
قال٢: (الدرجة الثانية: خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبةِ بالحلاوة).
يريد أنّ من حصلت له اليقظة بلا غفلةٍ، واستغرقت أنفاسه فيها، واستحلى ذلك فإنَّه لا أحلى من الحضور في اليقظة= فإنَّه ينبغي أن يخاف المكر وأن يُسلَب هذا الحضور واليقظة والحلاوة، فكم من مغبوطٍ بحاله انعكس عليه الحال، ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال، فأصبح
(١) في النسخ عدا الأصل، ش، ع زيادة: «منه».
(٢) «منازل السائرين» (ص ٢٠).
يقلِّب كفّيه ويضرب باليمين على الشِّمال! بينما بَدْرُ أحوالِه مستنيرًا في ليالي التَّمام، إذ أصابه الكسوف فدخل في الظَّلام، فبُدِّل بالأنس وحشةً، وبالحضور غيبةً، وبالإقبال إعراضًا، وبالتقريب إبعادًا، وبالجمع تفرقةً، كما قيل١:
أحسنت ظنَّك بالأيَّام إذ حسنتولم تخَفْ سوءَ ما يأتي به القدرُ
قال٢٣: (وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف، إلا هيبة الجلال، وهي أقصى درجةٍ يشار إليها في غاية الخوف).
يعني: أنَّ وحشة الخوف إنّما تكون مع الانقطاع والإساءة، وأهلُ الخصوص أهل وصولٍ إلى الله تعالى وقربٍ منه، فليس خوفهم خوفَ وحشةٍ كخوف المسيئين المنقطعين، لأنَّ الله ﷿ معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبّة لهم.
وهذا بخلاف هيبة الجلال، فإنَّها متعلِّقةٌ بذاته وصفاته، وكلَّما كان عبدُه به أعرفَ وإليه أقربَ كانت هيبةُ جلالِه٤ في قلبه أعظم، وهي أعلى من درجة خوف العامَّة.
(١) هما للشافعي في «الانتقاء» لابن عبد البر (ص ١٠١)، ولسعيد بن حميد في «الزَّهرة» (ص ٨٠٦). وذكر القشيري (ص ٣٥٥) أنه سمع أبا علي الدقَّاق ينشدهما كثيرًا.
(٢) «منازل السائرين» (ص ٢٠).
(٣) ع: «الدرجة الثالثة قوله». ولم يعَنْوِن صاحب «المنازل» للدرجة الثالثة.