مدارج السالكين

يقلِّب كفّيه ويضرب باليمين على الشِّمال! بينما بَدْرُ أحوالِه مستنيرًا في ليالي التَّمام، إذ أصابه الكسوف فدخل في الظَّلام، فبُدِّل بالأنس وحشةً، وبالحضور غيبةً، وبالإقبال إعراضًا، وبالتقريب إبعادًا، وبالجمع تفرقةً، كما قيل١:

أحسنت ظنَّك بالأيَّام إذ حسنتولم تخَفْ سوءَ ما يأتي به القدرُ
وسالمتْك اللَّيالي فاغتررتَ بهاوعند صفو اللّيالي يَحدُث الكدرُ

قال٢٣: (وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف، إلا هيبة الجلال، وهي أقصى درجةٍ يشار إليها في غاية الخوف).

يعني: أنَّ وحشة الخوف إنّما تكون مع الانقطاع والإساءة، وأهلُ الخصوص أهل وصولٍ إلى الله تعالى وقربٍ منه، فليس خوفهم خوفَ وحشةٍ كخوف المسيئين المنقطعين، لأنَّ الله ﷿ معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبّة لهم.

وهذا بخلاف هيبة الجلال، فإنَّها متعلِّقةٌ بذاته وصفاته، وكلَّما كان عبدُه به أعرفَ وإليه أقربَ كانت هيبةُ جلالِه٤ في قلبه أعظم، وهي أعلى من درجة خوف العامَّة.

  1. (١) هما للشافعي في «الانتقاء» لابن عبد البر (ص ١٠١)، ولسعيد بن حميد في «الزَّهرة» (ص ٨٠٦). وذكر القشيري (ص ٣٥٥) أنه سمع أبا علي الدقَّاق ينشدهما كثيرًا.
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ٢٠).
  3. (٣) ع: «الدرجة الثالثة قوله». ولم يعَنْوِن صاحب «المنازل» للدرجة الثالثة.
  4. (٤) ع: «هيبته وإجلاله».
186

قال١: (وهي هيبةٌ تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصون المسامر٢ أحيان المسامرة، وتفصم المعاين بصدمة العزَّة).

يعني: أنَّ أكثر ما تكون الهيبة أوقات المناجاة، وهي وقت تملُّق العبد ربَّه، وتضرُّعِه بين يديه واستعطافه والثَّناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه، أو مناجاته بكلامه، هذا هو مراد القوم بالمناجاة.

وهذه المناجاة توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الربِّ، ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته، وتجلِّيها عليه، فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات، فتقبض مِن عَنان مناجاته بحسب قوَّة واردها.

وأمّا صون المسامر٣ أحيان المسامرة: فالمسامرة عندهم أخصُّ من المناجاة، وهي مخاطبة القلب للربِّ خطابَ المحبِّ لمحبوبه، فإن لم تقارنها هيبة جلاله، أخذت به في نوع٤ الانبساط والإدلال، فتجيء الهيبة صائنةً للمسامر في مسامرته من انخلاعه من أدب العبوديَّة.

وأمّا فصمها المعاين بصدمة العزَّة، فإنَّ الفصم: القطع، أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزَّة الربوبية بمعانيها الثلاثة، وهي: عزَّة الامتناع، وعزَّة القوَّة والشدَّة، وعزَّة السُّلطان والقهر، فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره، إذ لا يقوم لعزَّة الربوبية شيء.

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ٢٠).
  2. (٢) ل، ج، ن: «المشاهد»، وكذا في «المنازل» وشروحه.
  3. (٣) في ل غُيِّر إلى «المشاهد» ليوافق متن «المنازل».
  4. (٤) «نوع» ساقط من ع.
187

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي