القلب في سيره إلى الله ﷿ بمنزلة الطائر، فالمحبّة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطَّير جيِّد الطّيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى عدم الجناحان فهو عرضةٌ لكلِّ صائدٍ وكاسرٍ، ولكنَّ السلف استحبُّوا أن يقوى في الصِّحة جناحُ الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدُّنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف. هذه طريقة أبي سليمان وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإنه إذا كان الغالب عليه الرجاء فسد١.
وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوفِ وغلبةُ الحبِّ، فالمحبَّة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه.
الإشفاق رقَّة الخوف، وهو خوفٌ برحمةٍ من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرَّأفة إلى الرحمة، فإنَّها ألطف الرحمة وأرقُّها.
ولهذا قال صاحب «المنازل» ﵀١: (الإشفاق: دوام الحَذَر مقرونًا بالترحُّم، وهو على ثلاث درجاتٍ، الأولى: إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد). أي: تُسرعَ وتذهبَ إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبوديَّة.
(وإشفاقٌ على العمل: أن يصير إلى الضياع).
أي: يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾[الفرقان: ٢٣]، وهي الأعمال التي كانت لغير الله، وعلى غير أمره وسنَّة رسوله.
ويخاف أيضًا أن يضيع عملُه في المستقبل، إمَّا بتركه، وإمَّا بمعاصٍ٢
(١) (ص ٢١).
(٢) في النسخ عدا ل، ع: «بمعارض»، ثم أُصلح في الأصل بمسح الراء.